فهرس الكتاب
ولقد نقل الكاتب الاسرائيلي عاموس ايليون سطرًا من أغنية جذابة كان الرواد الزراعيون يرددونها في المستوطنات الاسرائيلية، يصفون أنفسهم فيها بأنهم أول من وصل، (مثل العصافير في الربيع) ، الى الحقول الملتهبة والارض المقفرة الجرداء. وهذه البراءة الكونية، وهذا الإيمان بقدرة العمل على الشفاء والتطهير، وهذا الالتزام بمبدأ المساواة، تظهر جميعًا في كلمات بن جوريون حين تحدث عن مدى أحقية الإنسان في أرض ما، فهذا الحق لا ينبع من سلطة سياسية او سلطة قضائية (فكل هذه الأمور ليست ذات شأن من وجهة النظر الصهيونية العمالية) وإنما ينبع من العمل. ثم أطلق بن جوريون شعارًا ثوريًا أحمر لابد أنه لاقى هوى في القلوب الثورية البريئة: (الملكية الحقيقية والدائمة للعمال) . بيد أن نقل المفاهيم من مستواها وسياقها الى مستوى وسياق آخرين يسفران عن نتائج مختلفة، فمثل هذا الشعار يتسم بالثورية الحقة إذا استخدمه العمال الفرنسيون في الأرض الفرنسية. ولكن حينما يقوم العمال الفرنسيون بتطبيق الشعار نفسه في الأراضي الجزائرية، فإنه يصبح في التو اغتصابًا للأرض، وخصوصًا إذا كانت المنافسة بين العمال الفرنسيين والجزائريين منافسة غير متكافئة، حيث كان الفريق الأول تسانده مؤسسة عسكرية متقدمة تكنولوجيًا.
وقد علق الكاتب الاسرائيلي عاموس كنان على هذا النوع من الديباجات الاشتراكية قائلًا: (إن الصهيونية لم تستطع تحقيق انتصاراتها وانجازاتها دون الاستفادة من النفاق الذي تنطوي عليه هذه الاشتراكية. فكما أن المسيحية(بمثلها ومثالياتها) كان بمنزلة عذر معنوي، (أي ديباجات) للصليبيين (أي للفرنجة) ، فإن الاشتراكية (بمُثُلها ومثالياتها) أدّت هذه المهمة للصهاينة).