فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 17

لو نظرنا في حال النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، كيف كان يواصل الصيام، ولا يكتفي بالصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولما نهى أصحابه عن الوصال رحمة بهم، وخوفًا عليهم ألا يطيقوا القيام بالأعمال مع مواصلة الصيام، فقالوا له: إنك تواصل، قال لهم: (( وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟!! إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ ) ) (2) .

فقَوْله: (( يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِ ) )أَيْ يَشْغَلُنِي بِالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَته، وَالتَّمَلِّي بِمُشَاهَدَتِهِ، وَالتَّغَذِّي بِمَعَارِفِهِ، وَقُرَّة الْعَيْن بِمَحَبَّتِهِ، وَالِاسْتِغْرَاق فِي مُنَاجَاته، وَالْإِقْبَال عَلَيْهِ عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب، وهَذَا الْغِذَاءُ أَعْظَم مِنْ غِذَاء الْأَجْسَاد, وَمَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ وَتَجْرِبَةٍ يَعْلَمُ اِسْتِغْنَاءَ الْجِسْم بِغِذَاءِ الْقَلْب وَالرُّوح عَنْ كَثِير مِنْ الْغِذَاء الْجُسْمَانِيِّ وَلَا سِيَّمَا الْفَرَح الْمَسْرُور بِمَطْلُوبِهِ , الَّذِي قَرَّتْ عَيْنه بِمَحْبُوبِهِ (3) .

فهل تعجبون بعد ذلك إذا كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يدارسه جبريل القرآن، ويقوم من الليل قيامًا لا يطيقه أحد، يفعل ذلك كله، وهو ممسك عن الطعام والشراب، فبدنه محروم من غذائه، لكن روحه تتغذى تغذية تقويه على فعل الطاعات، والجود بأنواع الخيرات.

ولقد كان من أصحابه من يواصل، ويفعل مع ذلك جميع العبادات، ويقوم بأداء سائر الحقوق، فهذا عبد الله بن الزبير يواصل خمسة عشر يومً (4) ، وهو الذي كان مضرب المثل في القيام، والجهاد في سبيل الله.

لقد أحدث الصوم له غذاء استغنى به عن غذاء البدن.

ما هي الروح؟

الروح جسم مخلوق نورانى علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت