فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 122

قد يُرى الهلال في بلد دون آخر، فيُرى في بلد قبل البلد الآخر بيوم مثلًا، وذلك بسبب إختلاف المطالع، فلكل أهل بلد رؤيتهم، لِما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما لماّ قدم عليه كريب من الشام في المدينة وسأله ابن عباس هل صام معاوية رضي الله عنه، وأهل الشام فقال له كريب: قد رآه الناس بالجمعة وصام معاوية وصام الناس، فقال ابن عباس: نحن رأيناه يوم السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه، فقال كريب: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" [رواه مسلم] . وهذا دليل واضح علانه لا يثبت دخول الشهر في البلد المخالف لبلد الرؤية في مطلع الهلال، ولأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى من يسكنون بعيدين عن المدينة بشأن هلال رمضان أو شوال، ولو كانت الرؤية في بلد لازمة لجميع البلدان لبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أمر مهم يحتاج إليه المسلمون في كل زمان، ولأنه في عصر الصحابة والتابعين كانت تختلف الرؤية ومع ذلك لم يكن هناك مخالف أو من أمر البعض بالقضاء، فالأمر واضح وبين ولله الحمد، فإذا رأى أهل المملكة العربية السعودية الهلال ليلة الاثنين الثلاثين من شعبان لزمهم صيام يوم الاثنين في جميع مناطق المملكة، ولا يلزم ذلك جميع الدول العربية والإسلامية، فقد يُرى في مصر أو السودان مثلًا يوم الاثنين ليلة الثلاثاء فيلزمهم صيام يوم الثلاثاء، ولكن إذا ثبتت الرؤية في المملكة مثلًا وصام برؤيته أهل الشام ومصر وغيرهم فهذا العمل عمل حسن ومطلوب لعموم الأحاديث الدالة على عموم الصيام لكافة الأمة بالرؤية، وإلاّ فكل بلد رؤيتهم بحسب مطالع الهلال."

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"تتفق مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة بالفلك، فإن إتفقت لزم الصوم، وإلاّ فلا"، وذلك للأدلة التالية:

1 -قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ، والذين لا يوافقون من شاهده في المطالع لا يقال أنهم شاهدوه لا حقيقة ولا حكمًا، والله تعالى أوجب الصوم على من شاهده.

2 -قوله عليه الصلاة والسلام:"صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته"فعلل الأمر في الصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال إنه رآه لا حقيقة ولا حكمًا.

3 -أن التوقيت اليومي يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع. فإذا طلع الفجر في المشرق فلا يلزم أهل المغرب الإمساك لقوله تعالى: {فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط البيض من الخيط الأسود} ، ولو غابت الشمس في المشرق فليس لأهل المغرب الفطر. فكما أن المسلمين يختلفون في الإفطار والإمساك اليومي فلا بد أن يختلفوا كذلك في الإفطار والإمساك الشهري.

فالصواب ما ذكرته سابقًا وهو أن المسلمين يختلفون باختلاف المطالع، واختلاف الرؤية لديهم، فمن ثبتت رؤية هلال دخول رمضان لديه صام، ولا يلزم من ذلك إمساك بقية الدول الإسلامية تبعًا لتلك الدولة التي أمسكت بسبب رؤيتها لهلال دخول رمضان، وكذلك في بقية الشهور، لكن لو اتفقت الدول الإسلامية على اتخاذ مكة مثلًا مقياسًا لها في جميع الأمور الشرعية لكان ذلك أفضل وأعظم للأمة الإسلامية، مما يدل على ترابطها برباط واحد، وتمسكها بدين واحد، ومما يدب الرعب والذعر في قلوب الأعداء، ولكن لما حدث الضعف والتمزق واتباع تقاليد الغرب، والتشبه بالكفرة، وغير ذلك من الأسباب، حصل النزاع بين المسلمين أنفسهم، وكل ذلك مما يتيح للغرب بسط نفوذهم على الدول الإسلامية، وإحكام السيطرة حتى على قوانينها الداخلية، بل حصل أدهى من ذلك وأمر، فقد حصل التدخل حتى في أمور الدين التي لا تحتاج إلى مراهنة أو مساومة، ولا شك أن هذا دليل على الضعف والوهن الذي تعيشه الدول الإسلامية، وما نشاهده في هذه الآونة من ضعف وذل وهوان، وكثرة الحروب حتى بين المسلمين لهو أعظم دليل على ضعف الوازع الديني، وانهماك الكثير وراء مغريات الحياة الدنيا، وانخراط الجميع في سلك اللاهين والغافلين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان وعليه التكلان.

الصوم بالحساب، والعمل بالتقاويم:

إن الله سبحانه وتعالى علق بالهلال أحكامًا كثيرة، كالصوم والحج والأعياد والعدد والإيلاء وغيرها، لأن الهلال أمر مشهود مرئي بالإبصار ومن أصح المعلومات ما شوهد بالإبصار.

قال تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} ، فالضابط والمعول عليه في دخول الشهر وخروجه وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالأشهر هو رؤية الهلال.

ولأن رؤية الهلال أمر طبيعي ظاهر يستطيعه عامة الناس، فلا يحصل لبس على أحد في أمر دينه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إناّ أُمةٌ لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس بإبهامه في"

الثالثة، وهكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه العشرة" [متفق عليه] أي أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت