فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 122

المؤلف يحيى الزهراني

مقدمه:

الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأشكره شكر الحامدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير الخلق أجمعين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. . . أما بعد:

فإن الله قد امتن على عباده بمواسم الخيرات، فيها تضاعف الحسنات، وتُمحى السيئات، وتُرفع الدرجات، تتوجه فيها نفوس المؤمنين إلى مولاها، فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. وإنما خلق الله الخلق لعبادته فقال:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، ومن أعظم العبادات الصيام الذي فرضه الله على العباد، فقال:"كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، ورغبهم فيه فقال:"وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون"، وأرشدهم إلى شكره على فرضه بقوله:"ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون"، وحببّه إليهم وخفّفه عليهم لئلا تستثقل النفوس ترك العادات وهجر المألوفات، فقال عزّ وجلّ:"أياما معدودات"، ورحمهم ونأى بهم عن الحرج والضرر، فقال سبحانه:"فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر"، فلا عجب أن تُقبل قلوب المؤمنين في هذا الشهر على ربهم الرؤوف الرحيم، يخافونه من فوقهم ويرجون ثوابه، وجزيل عطائه.

الصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة، والذي لا يكمل إسلام العبد إلا بالإتيان به، على وفق الشرع القويم، وأن يكون خالصًا لله تعالى، لا رياءً فيه لأحد من الخلق، وإلا حبط العمل، وكان وبالًا على صاحبه، وندامة يوم القيامة، ووبالًا ونكالًا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. فالعمل من أجل الناس رياء، وتركه من أجل الناس رياء، فلا يقبل من العمل إلا أصوبه، وأخلصه، فأخلصه ما كان لله تعالى، وأصوبه ما كان موافقًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن للصيام جملة كبيرة من الأحكام، قد تخفى على كثير من الناس، خصوصًا مع كثرة مغريات الحياة الدنيا، وإقبال الناس عليها، وتهافتهم على زخرفها، وإقبالهم على زينتها، فركن الناس إليها، ونبذوا العلم تعلمًا وتعليمًا، فساد الجهل في أوساط كثير من الناس، حتى في أبسط المسائل، ومن جملة ذلك ما يتعلق بالصيام من أحكام، فآليت على نفسي أن أكتب جملة من تلك الأحكام الخاصة بالصوم، فخرج هذا الكتاب النافع المفيد بإذن الله تعالى، جامعًا فيه جملة كبيرة من أقوال العلماء السابقين واللاحقين، وأضفت بعض الترجيحات حسب ما ترجح لدي من الأدلة، راجيًا من الله تعالى أن يكون هذا الكتاب نافعًا لي ولوالدي ولكل من له حق علي، وأن يجعله خالصًا صوابًا.

وحان أوان الشروع في المقصود، فتوكلت على الله، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

الصيام / لغةً:

مصدر صام يصوم، ومعناه الإمساك والكف والترك، قال تعالى"إنيّ نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًا"، ومعنى صوما في الآية أي إمساكًا عن الكلام.

شرعًا:

التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.

فائدة: كلمة التعبد في التعريف تشير إلى كون الصيام عبادة لله تعالى، وليس مجرد توقف وإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات بغير سبب.

والصيام ليس من خصائص هذه الأمة، بل هو عبادةٌ قديمة فُرضت على من كان قبلنا، والله أعلم كيف كانوا يتقيدون بصيامهم، ولكن الصيام شُرع لنا ولمن قبلنا، قال تعالى"يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".

ولقد شرع الصيام بالتدرج، فأول ما شرع صيام يوم عاشوراء، ثم شرع صيام شهر رمضان، وكان الناس بالخيار بين الصيام والإطعام، لقوله تعالى:"وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون".

وقبل ذلك قال تعالى:"وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون".

ثم أوجب صيام شهر رمضان بعد ذلك وصار واجبًا صيامه على كل مسلم عاقل بالغ قادر، لقوله تعالى:"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه".

فهذا أمر من الله تبارك وتعالى بوجوب صيام شهر رمضان لمن شهد الشهر وهو من أهل الوجوب.

سبب تسمية رمضان:

اختلف العلماء في سبب تسمية رمضان بهذا الاسم إلى عدة أقوال:

القول الأول: قال بعض العلماء: هو مأخوذ من الرمضاء والمراد بذلك شدة الحر؛ والسبب في هذا أن العرب كانت تسمى هذا الشهر في الجاهلية شهر (نائق) وهو الشهر التاسع من الأشهر القمرية، ثم لما فرض الله صيام رمضان وافقت السنة الثانية سنة حرٍ وشدة من الحر، فسموه رمضانًا من هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت