فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 122

فبعض الناس لا يعرف الصلاة إلا في رمضان، والبعض لا يعرف الصلاة لا في رمضان ولا في غيره، فهؤلاء شرار الناس على الإطلاق، وقد حكم الله بكفرهم وأنه لا يقبل منهم عمل ولا عدل ولا صرف، وأعمالهم مردودة عليهم، لأنهم قطعوا صلتهم بمن يقبل الأعمال ويجازي عليها بعظيم الثواب وجزيل العطايا، قال تعالى: {وما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة 54] ، وقال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا} [الفرقان 23] ، والذي لا يعرف الله ولا يؤدي الصلاة إلا في رمضان فهو بأقبح المنازل، وأسفل الدركات، لأنه يخادع الله تعالى كما يخادع الصبيان، فالله هو الذي أمر بالصلاة في رمضان وفي غيره، فهو سبحانه رب رمضان ورب شعبان وشوال وكل الأيام والشهور والسنين والدهور، ولا شك أن من لا يصلي إلا في رمضان أنه على خطر عظيم من أن يحكم بكفره، لاستهزائه بربه تبارك وتعالى الذي قال: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة 65 - 66] ، فحال من لا يصلي إلا في رمضان أنه يخادع الله تعالى كي يقبل منه صيامه لأنه صلى، وهذا يتلاعب بدين الله تعالى ولا يقيم لله تعظيمًا، ولا يقدر لأوامره وزنًا، والله تعالى يقول في مثل أولئك الفئة من الناس: {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء 142] ويقول تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} [البقرة 8 - 10] ، فعلى أولئك الناس أن يتوبوا إلى الله تعالى قبل أن ينزل بساحتهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، حينها لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل، لأنها لم تكسب في إيمانها خيرًا، ولم تعمل في حياتها برًا، فالمصير النار وبئس القرار، فاتقوا الله يا من تسهرون الليالي وتنامون النهار، ليس هذا هو المقصود من شهر الصيام، وإنما المقصود تقوى الله تعالى، بطاعته واجتناب معصيته، حتى يفوز العبد برضى ربه، ويقهر شيطانه ويدحر وسوسته له.

الصيام والتدخين:

الصيام فرصة عظيمة للمدخنين، فهو يساعد المدخن على ترك عادة التدخين المحرمة إلى الأبد، وذلك لأن الصائم يصوم عن الدخان فترة لا تقل عن اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وهذا دليل على أن المدخن يستطيع أن يترك هذه العادة القبيحة المستقذرة بكل يسر وسهولة، ولكن لما أحكم الشيطان وثاقه على بعض الناس أصبحوا يرون أنه من الصعوبة بمكان ترك التدخين، ولا شك أن هذا من تلاعب الشيطان ووسوسته لهم، وتثبيطه للهمم المسلمة حتى تألف عادة الغرب المدمرة، لتدمير المسلمين بهذا القاتل البطيء، وهذا السم الزعاف، ولهذا نجد الكثير من المسلمين يقبل على الدخان بكل شراهة، وكأنه من الطيبات، فرمضان فرصة لتصحيح الاتجاه، وتقويم الطريق، وترك الدخان خوفًا من الله، ورغبة فيما عند الله من الخير، ورهبة من سوء الخاتمة، فمن ترك شيئًًا لله عوضه الله خيرًا منه.

الدخان معصية لله ولرسوله قال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين} [النساء 14] . وقال جل وعلا: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا * حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرًا وأقل عددًا} [الجن 23] .

وقال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا} [النساء 29] ، وقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة 195] .

ففي الدخان قتل للنفس، وتدمير لها وإزهاق لها، وإلقاء بها إلى التهلكة، وقد أجمع العلماء قاطبة والأطباء جميعًا على تحريمه وضرره. وقد يسأل سائل فيقول: ما ذكر الدخان في القرآن فكيف تقولون إنه حرام؟

الجواب: نقول له: وهل ذُكر الرز واللحم، والبرتقال و الموز والعصيرات بأنواعها وغيرها من الطيبات هل ذُكرت في القرآن؟ وأعتقد أنه سيقول: أن هذه الأشياء من مأكولات ومشروبات مباحة لما فيها من الفائدة أو لأنها لا تضر أصلًا، فنقول: وهل في الدخان من فائدة؟ إن كان فيه أدنى

فائدة فاذكرها لنا؟ ومن الطبيعي أنه إن كان يريد المجادلة من أجل أن يتيقن بتحريم الدخان فسيجيب أن الدخان لا فائدة منه بل كله مضار إذًا هو حرام، فلماذا نكابر ونعاند. فما أجمل أن نتبع الحق، لأن الحق أحق أن يتبع.

وإن قيل: أن الدخان مكروه، فهو عند الله مكروه وصاحبه ومتعاطيه وشاربه وبائعه وموزعه مكروه عند الله، لأن الله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، وإن كرهك الله تعالى لفعلك ما يغضبه سبحانه ويكرهه فمن يحبك؟ هذه مصيبة عظيمة، وأمر خطير، أن يتساهل الإنسان بالأوامر والزواجر التي جاء بها الكتاب العزيز، والسنة المطهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت