ولما تناول الشاطبي أنّ مقاصد الشريعة في الخلق لا تعد وأن تكون ضروريّة أو حاجيّة عرّفها فقال:"فأمّا الضرورية فمعناها أنّها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة .."
وأمّا الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقّة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقّة، ولكنّه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامّة" [1] ."
وبناء على هذا فلا بد أن نميّز بين أنواع التصرفات والإجراءات العلاجيّة، وما تهدف إليه؛ إذ منها الضروريّ، والحاجيّ، ومنها ما هو دون ذلك، فيراعى التخفيف في أمور الضروريات والحاجيات العامّة ما لا يراعى في غيرها.
4)جَسَد الإنسان ملك لله تعالى كما قال تعالى: {ولله ملك السماوات والأرض وما فيهّن وهو على كل شي قدير} . [المائدة:120] . وعليه فإنّه لا يحق لأحدٍ أن يتصرّف في ملك بما يحرمه مالكه.
وبناء على ذلك فلا يحل للطبيب أن يباشر جسم المريض إلا إذا كان سيعمل عملًا أذن به الشرع ولا يكفي إذن المريض ورضاه. قال ابن القيم:"فإنّه لا يجوز الإقدام على قطع عضو لم يأمر الله ورسوله بقطعه، ولا أوجب قطعه، كما لو أذن له في قطع أذنه أو أصبعه، فإنّه لا يجوز له ذلك، ولا يسقط الإثم عنه بالإذن". [2]
وقال ابن حزم:"واتفقوا أنّه لا يحل لأحدٍ أن يقتل نفسه، ولا يقطع عضوًا من أعضائه، ولا أن يؤلم نفسه، في غير التداوي بقطع العضو الألم خاصّةً". [3]
5)وبناء على ما تقدم فإنّا نقول: إن مجرد تضرّر الإنسان النفسي بنظرته الدونية لنفسه في أمور الجمال وأوصافه لا يكفي لاستباحة أي فعل محرم عليه لكن بعد ثبوت كونه محرمًا، ولذا فقد يذكرُ بعض الباحثين
(1) الموافقات (2/ 8 - 11) .
(2) تحفة المودود بأحكام المولود ص 136.
(3) مراتب الإجماع ص 157.