أولا: أنه هنا قد ورد التنصيص على غير المدخول بها وغاية ذلك أن يكون هذا تنصيصا على بعض أفراد مدلول الرواية التي استدل بها أصحاب الرأي السابق وهي رواية صحيحة وهذا التنصيص لا يوجب اختصاص البعض بالحكم الذي وقع التنصيص عليه.
ثانيًا: وأما المعقول الذي ذكروه فإنه قول لا يستقيم، ذلك أن قول القائل أنت طالق ثلاثا كلام متصل غير منفصل فكيف يصح شطره إلى جزأين وإعطاء كل شطر حكما مستقلا عن الآخر؟
ثالثًا: أدلة أصحاب الرأي الرابع وهم الذين يقولون إنه لا يلزم بالطلاق الثلاث شيء استدلوا من الكتاب ومن السنة.
(أ) أما من الكتاب فاستدلوا بقوله تعالى (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ) ووجه الاستدلال من النص الكريم أن القرآن الكريم قد شرط في وقوع الطلقة الثالثة أن تكون في حال يصح من الزوج فيها الإمساك -لأنه إذا وقع التخيير بين أمرين كان الإتيان بأحدهما صحيحًا- ومقتضى ذلك أن الإمساك لا يصح إلا بعد المراجعة وأن الطلقة الثالثة لا تصح إلا بعد المراجعة كذلك- وإذا كان الأمر كما ذكرنا في الطلقة الثالثة فإن الحكم ينسحب على الطلقة الثانية أيضا لعدم الفرق بينهما.
ولكن أجيب عن هذا الاستدلال - أنه لا يلزم أن يكون الطلاق دائما بعد رجعة وذلك كما في الطلاق الأول ثم إن قياس الثاني على الطلاق الثالث قياس مع الفارق إذ أن الطلاق الثاني يمكن معه الرجعة بخلاف الثالث.
(ب) كما استدلوا من السنة - بقوله صلى الله عليه وسلم:
(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ووجه الاستدلال أن الطلاق الثلاث ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذ الذي كان عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن الثلاث كانت تحسب واحدة ومن ثم يكون هذا العمل مردودا.
ولكن ورد هذا الاستدلال بأن هذا الحديث يشهد للقائلين برد الثلاثة إلى واحدة وأن عدم احتسابها شيء أصلا هو الذي يتعارض مع نص الحديث فهو حجة عليكم لا لكم.
واستدلوا أيضا بحديث بن عمر إذا طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض ... إلى آخر ما جاء في الحديث - وفيه فردها على ولم يرها شيئا.
فهذا الخبر يدل على أن الطلاق حين يكون مخالفا لما رسمه المشرع فإنه لا يعتد به وما معناها كذلك.
ولكن رد ذلك أن المقيس عليه أمر خلافي طال فيه نزاع الفقهاء وما كان كذلك لا يصح أن يكون مقيسا عليه خصوصا وأن احتسابها على ابن عمر هو الأرجح وفي ختام هذا البحث