الصفحة 50 من 59

أن المستشرقين يطعنون على القرآن فيما جاء به من قصص وأخبار, يرون أنها لا تتفق والواقع التاريخي الذي يعلمون, وأنها تدل على جهل محمد بالتاريخ.

وأن المسلمين منذ عهد النفر الأول الذين عاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استقبلوا كل ما ذكر في القرآن على أنه تعبيرات جادة, يراد بها معانيها فيما جاءت به, وتأثرت عقليتهم بما جاء من الآيات الدالة على أنه يقص أنباء الغيب التي لم يكونوا يعرفونها, فقالوا إن أخبار الأولين آية صدق النبي, ودليل على إعجاز القرآن.

ثم يجمع بين هؤلاء المسلمين, وأولئك المستشرقين في حكم واحد إذ يقول:

"وليس من شك عندي في أن مصدر الخطأ فيما ذهب إليه من آمن بهذه الأشياء, وصدق كل ما فيها من تاريخ, أو من أنكرها وادعى أنها أخطاء تاريخية, أو قصص ملفقة, جهل أولئك وهؤلاء, أو تجاهلهم لما بين الأدب والتاريخ من علاقات"..

هذا هو أهم ما دعاه إلى أن يسلك سبيلا آخر في فهم القرآن, سماه"الفن القصصي"ورأيه في ذلك يتلخص في أن القصص القرآني نمط من أنماط القصة الفنية التي لا يلتزم الفنان فيها الصدق وتحري الواقع, وإنما يعطي نفسه من الحرية ما يغير به ويبدل ويزيد ويخترع.

ولا يقف بهذا عند قصة أو قصص بعينها, ولكنه يطرد هذا الشأن في كل ما قصه القرآن, سواء في ذلك ما جاء عن الأنبياء والرسل والأمم وما جاء عن غيرهم فيذكر قصة آدم وابليس, وقصة الخليفة والملائكة وقصة كلام عيسى في المهد, ونجاته من اليهود, وأنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه, وقصة موسى والعبد الصالح, وقصة أهل الكهف, وقصة سليمان والهدهد, وقصة ناقة صالح, إلى غير ذلك..

ثم لا يقف عند القصص القرآني, بل يطرد هذا الحكم أيضا على غيره مما جاء في الكتاب الكريم من أوصاف, ونسب ماضية كانت أو مستقبلية, فيذكر سؤال الله لعيسى يوم القيامة: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ويذكر مثل قوله تعالى:

{ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } .

يذكر ذلك وأمثاله في مجال ما يقرره من أن القرآن ليس فيه ما يدل على أن حوادث هذه القصص تلتئم مع الواقع الفعلي, أو لا تلتئم, وأن هذه النسب والأوصاف تصدق أو لا تصدق, وإنما هو أسلوب قصة به غرس فكرة وراء ما تدل عليه الألفاظ بمعانيها اللغوية المعروفة أو مشايعة الواقع النفسي الذي كان سائدا عند المعاصرين, استغلالا لمعلوماتهم, وإن لم تكن صحيحة, في سبيل تأييد الدعوة التي جاء بها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت