سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [1] . وقال - بعد أن ذكر شيئا من حكم خلق السموات والأرض في ستة أيام: (وحكمة أخرى خلقها في ستة أيام؛ لأن لكل شيء عنده أجلا. وبيّن بهذا ترْك معاجلة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلا، وهذا كقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ(38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُون. بعد أن قال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا} ) [2] .
ومن وجه آخر أيضا فأن للعذاب أجلا مسمى وميقاتا معلوما لا يتأخر عنه ولا يتقدم، فانظر كم لبث نوح عليه السلام في قومه يدعوهم ليؤمنوا، وهم يكذبونه ويتهمونه، قال تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا} [3] ، وكم أقام موسى عليه السلام يدعو فرعون وقومه، ولما استيأس من استجابتهم دعا عليهم؛ فقال الله له: {قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} [4] . قال ابن جرير رحمه الله: (قال ابن جريج: يقولون إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول: ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعدي لا خُلف له، وإن وعيدي نازل بفرعون، وعذابي واقع به وبقومه) [5] . وأقامالرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاثة عشر عاما يحاور قومه، ويجادلهم، ويدعوهم، ويقيم لهم الآيات والبراهين، وهم يقابلون ذلك كله بالإنكار والتكذيب حتى نزل بهم العذاب العاجل في يوم بدر.
المسألة الثانية: لماذا تفلت الدول المتغطرسة الظالمة من العقوبة، وتحل العقوبات بالدول المسلمة؟!
والجواب عن هذا السؤال من وجوه:-
الأول: أن الدول الظالمة تحل فيها المثلات كما تحل بغيرها، فاضطراب الأمن، والعجز الاقتصادي، وتفشي الأمراض، والفياضانات المدمرة، والحرائق المروعة، والحروب الطاحنة، كل ذلك يحدث فيها، فقد خاضت هذه الدول حروبا راح ضحيتها الآلاف من أبنائها، فكم فقدت أوربا من مئات الآلاف في الحربين العالميتين، وكم فقدت أمريكا وروسيا من جنودها في السنوات الأخيرة، من خلال الحروب التي شنتها على بعض الدول المستضعفة؛ فخرجت منها خاسئة حسيرة، تجر أذيال الهزيمة، وكذلك من العذاب الذي يصبه الله عليهم تفَرّق الدول وذهاب ريحها وتمزقها، فلقد كانت الإمبراطورية العظمى (بريطانيا) لا تغيب عنها الشمس، وكان الاتحاد السوفيتي مكونا من عشرات الدول فإذاهما مشردان على
(1) سورة الأعراف الآية 54.
(2) الجامع لأحكام القرآن 7/ 219. والآيات 36 - 38 من سورة ق.
(3) سورة العنكبوت الآية14.
(4) سورة يونس الآية 89.
(5) جامع البيان1/ 161 - 162،وانظر تفسير القرآن العظيم2/ 430، والدر المنثور 4/ 385، والجامع لأحكام القرآن 8/ 376.