سبق الحديث في صدر هذا المبحث عن حقيقة العذاب وأنه قد يعجّل وقد يؤخر، وقد يجمع على المعاند عذاب الدنيا، وعذاب البرزخ، وعذاب الدار الآخرة، وقد تعجل له طيباته في الدنيا، ويدخر له العذاب كاملا في الدار الآخرة، وإذا كان ذلك كذلك فإن عدم حلول العقوبة العاجلة على العاصي ليس دليلا على رضى الله عليه؛ بل هذا من مكر الله بأعدائه، كما قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [1] قال ابن القيم رحمه الله:(فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم، وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين:-
إحداهما: أنه سبحانه نَسِيَه.
والثانية: أنه أنساه نفسه.
ونسيانه سبحانه للعبد، إهماله وتركه، وتخلّيه عنه، وإضاعته، ونسيانه، فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم. وأما إنساؤه نفسه: فهو إنساؤه لحظوظها العالية، وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما يكملها، بِنَسْيه ذلك كله جميعه، فلا يخطر بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همّته، فيرغب فيه، فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره، وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها، وأيضا فينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها، ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول بها إلى الفساد والهلاك، فهو مريض مثخن بالمرض، ومرضه مترام به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه، ولا يخطر بباله مداواته، وهذا من أعظم العقوبة للعامة والخاصة؛ فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه، وضيعها؟) . [2]
هذا من وجه، ومن وجه آخر ليعلم العبد أن كل شيء عنده سبحانه وتعالى بقدر كما قال جل ثناؤه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَار} [3] قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله عند تفسير هذه الآية: (يخبر تعالى عن جهل المكذبين لرسوله، المشركين به، الذين وُعِظُوا فلم يتعظوا، وأقيمت عليهم الأدلة فلم ينقادوا لها؛ بل جاهروا بالإنكار، واستدلوا بحلم الله الواحد القهار عنهم، وعدم معاجلتهم بذنوبهم، أنهم على حق، إلى أن يقول: وكل شيء عند بمقدار لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه) [4] واستدل القرطبي رحمه الله لهذا المعنى بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي
(1) سورة التوبة الآية 67.
(2) الجواب الكافي 71 - 72.
(3) سورة الرعد الآيات6 - 8.
(4) تيسير الكريم الرحمن 414.