ويقول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: (إن كثيرا من الناس اليوم يعزون المصائب التي يصابون بها - سواء كانت المصائب مالية اقتصادية, أو أمنية سياسية - يعزون هذه المصائب إلى أسباب مادية بحتة, إلى أسباب سياسية أو أسباب مالية أو أسباب حدودية. و لا شك أن هذا من قصور أفهامهم، و ضعف إيمانهم، وغفلتهم عن تدبر كتاب لله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، إن وراء هذه الأسباب أسبابا شرعية , أسبابا لهذه المصائب أقوى و أعظم تأثيرا من الأسباب المادية، لكن قد تكون الأسباب المادية وسيلة لما تقتضيه الأسباب الشرعية من المصائب و العقوبات. قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [1] .
وهذه العقوبات التي ذكرنا طرفا منها - وسيأتي تفصيلها - يلاحظ القارئ أن بين الذنب وبين العقوبة تناسبا عظيما، فإذا منع العباد زكاة أموالهم؛ منعوا القطر من السماء، وإذا تركوا التحاكم إلى كتاب الله؛ جعل الله بأسهم بينهم، وإذا طلب كثرة المال من طريق الربا، محق الله أمواله، وقد قال ابن ابن القيم رحمه الله: (فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه، وأوفقها للعقل، وأقومها بالمصلحة، ... إلى أن يقول: وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين إلا إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب) . [2]
ويقول أيضا: (والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع: إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم عود الأجسام في الدار الآخرة، فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحى أحس بالمؤلم، فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق علي النار، والكسر على الانكسار، وقد تقارن المضرة الذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرا وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه، وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل، وعمله على التدريج شيئا فشيئا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة بالقذة) . [3]
وبعد بيان حقيقة العذاب، يتبقى في هذا المبحث مسائل، في بسطها وتناولها الإجابةُ على الأسئلة التي وردت في التمهيد، وهذه المسائل هي:-
المسألة الأولى: هل عدم العقوبة الدنيوية دليل على الرضى عن العاصي؟.
(1) أثر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع،9. والآية 41.
(2) الجواب الكافي 77
(3) الجواب الكافي 81 - 82.