فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 76

(56) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ [1] . فانظر كيف عمهم العذاب، وأنجى الله سبحانه وتعالى، بمنه وكرمه أولياءه وحزبه المفلحين، وسألت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها: هل ينزل العذاب وفي الأمة الصالحون؟ قائلة: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟. فأجابها الذي لا ينطق عن الهوى، قائلا: (نعم إذا كثر الخبث!!) [2]

وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنهم وإن هلكوا مهلكا واحدا، فإن الله يبعثهم على نياتهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض؛ خسف بأولهم وآخرهم. قالت عائشة: يا رسول الله! وفيهم سواهم، ومن ليس منهم؟. قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم) . [3]

فيكون العذاب حينئذ عاما إذا كان الفساد عاما، وينجي الله المتقين، ويكون النكال خاصا إذا كان المنكر خاصا غير مستعلن، كما قال عز من قائل في خبر قارون: {فخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} [4] .

المسألة الرابعة: إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث رحمة، فكيف يقول المسلم: إن الآيات التي يسلطها الله على الخلق تعّد عذابا لهم؟! فأين رحمة المسلم لغيره من البشر؟!.

من كمال رحمة الله سبحانه وتعالى بخلقه أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، فكانت رسالات الرسل تجمع بين الدلالة على الخير، والتحذير من الشر، ترغيبا وترهيبا، بشارة ونذارة، قال تعالى: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [5] .

وكانت رسالتهم هداية للناس ورحمة، قال تعالى عن موسى عليه السلام -كما قال عن غيره-: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً} [6] . وقال عز من قائل عن عيسى عليه السلام: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} [7] .

ومع كونهم أرسلوا رحمة للعالمين، فكل رسول قال لقومه: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، فهذا نوح عليه السلام يقول كما أخبر الله عنه: يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ

(1) سورة النمل الآيات 54 - 57.

(2) رواه البخاري في صحيحه واللفظ له 3/ 1221، ح3168, ومسلم 4/ 2007، ح 2880.

(3) صحيح ابن حبان، ح 6755، 15/ 155. وانظر صحيح مسلم، ح2884، 4/ 2210.

(4) سورة القصص الآية 81.

(5) سورة النساء الآية 165.

(6) سورة هود الآية 17.

(7) سورة مريم الآية 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت