فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 76

القول الأول: أن المراد به مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها في الأنفس والأموال مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا. فممن قال بهذا القول: ابن عباس, وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، [1] وأبو العالية، والضحاك، والحسن، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، وعطية، ومجاهد، وقتادة، رحمهم الله. ويرى أصحاب هذا القول: أن ما مضى من البطشة [2] واللزام [3] والدخان [4] ، وما أصاب كفار قريش من القتل والسبي يوم بدر - أنها من هذا العذاب المشار إليه؛ إذ هي من مصائب الدنيا. [5]

وقال السيوطي في تفسيره: أخرج ابن مردويه عن أبي إدريس الخولاني رضي الله عنه قال سألت عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن قول الله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} فقال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها. فقال: هي المصائب والأسقام والأنصاب، عذاب للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة. قلت: يا رسول الله! فما هي لنا؟ قال زكاة وطهور). [6] .

القول الثاني: المراد به عذاب القبر. وهو مروي عن البراء بن عازب وأبي عبيدة ومجاهد. [7]

وقال ابن القيم رحمه الله: (وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد الله بن عباس على عذاب القبر، وفي الاحتجاج بها شيء؛ لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعى به رجوعهم عن الكفر، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن، لكن من فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه، فَهِمَ منها عذاب القبر؛ فانه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين: أدنى، وأكبر، فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدل على أنه بقى لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا، ولهذا قال: {مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى} ولم يقل: ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله، وهذا نظير قول النبي:(فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها. ولم يقل: فيأتيه حرها وسمومها. فإن الذي وصل إليه بعض ذلك، وبقي له أكثره، والذي ذاقه أعداء الله في الدنيا بعض العذاب، وبقي لهم ما هو أعظم منه) . [8]

القول الثالث: المراد به الحدود. وممن قال بهذا القول ابن عباس رضي الله عنهما. [9]

(1) رواه مسلم 4/ 2157.

(2) إشارة إلى قوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} سورة الدخان الآية 16.

(3) إشارة إلى قوله تعالى: {فَقَد كَذَّبْتُمْ فَسَوْف يَكُون لِزَامًا} سورة الفرقان الآية 77. أي يكون عذابا لازما لهم نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع للكفار قريش في بدر من القتل والأسر، انظر تفسير البغوي 3/ 380، وشرح النووي على صحيح مسلم 17/ 143.

(4) هو الدخان الوارد في قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10) } سورة الدخان الآية 10.

(5) تفسير الطبري 21/ 108ـ109. وانظر تفسير الثوري 1/ 240. وتفسير عبد الرزاق الصنعاني 3/ 110. والدر المنثور 6/ 554.

(6) الدر المنثور 6/ 554.

(7) تفسير الطبري 21/ 110.و الدر المنثور 6/ 554. وتفسير ابن كثير 3/ 463.

(8) / الروح 1/ 76.

(9) تفسير الطبري 21/ 109.والدر المنثور 6/ 554. وتفسير ابن كثير 3/ 463.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت