فهرس الكتاب
ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ. فكل ذلك لهم عذاب، وذلك لهم دون يوم القيامة، فتأويل الكلام: وإن للذين كفروا بالله عذابا من الله دون يوم القيامة، ولكن أكثرهم لا يعلمون بأنهم ذائقوا ذلك العذاب). [1]
ويوضح ابن كثير غفلة المنافق عن ابتلاء الله له بالمصائب والنكبات، فيقول: (إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أرسلوه، وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني. قال الله تعالى: يا عبدي! كم أعاقبك وأنت لا تدري) . [2]
وبعد استعراض هذه الأقوال في بيان المراد بالعذاب في هذه الآية، ومقارنته بالمراد بالعذاب الوارد في الآية السابقة؛ نجد أن المراد بالعذاب في الآيتين يكاد يكون متفقا، عدا أنه ذكر من جملة العذاب المتوعد به في آية الطور - عذاب القبر.
وبعد أن استعرضنا هذه الآيات الكريمات يتبين لنا أنها من نظائر قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . وأن الألفاظ القرآنية التي تضمنتها للدلالة على المراد هي الألفاظ التالية:
1 ـ العذاب.
2 ـ السيئة والحسنة، أو السيئات والحسنات.
3 ـ الفتنة.
4 ـ البأساء والضراء.
ويتضح من تدبر هذه الآيات، والنظر في أقوال أهل العلم أن معاني هذه الألفاظ القرآنية لا تكاد تخرج عن مصائب الدنيا: من الهلاك، والشدة، والشر، والبؤس، والسقم، والسيف، وشظف العيش، والرزايا، والفقر، والجوع، والجهاد، والغزو، وفتنة المنافقين بأقوالهم، والحدود، وعذاب القبر.
وإذا علمنا أن هذه المصائب والنكبات وأنواع العذاب هي مما يعاقب الله به عباده إذا عصوه أمره، وخالفوا شرعه، فما الأسباب الجالبة للعذاب الدنيوي؟.
إن المتتبع لآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يقف على عبر عظيمة، ودلالات كثيرة، مما قصه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - علينا من أخبار الأمم الماضية، أو مما حذرنا الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من الوقوع فيه من أصناف المنكرات التي تستنزل غضب الله ومقته، وفي المبحث التالي نستنبط من دلالات النصوص ما وقفنا عليه من أسباب العذاب الذي حُذّرنا منه؛ علها تكون عبرة لنا؛ لئلا نقع فيها، فتنزل بنا عواقبها الوخيمة، أجارنا الله منها.
(1) تفسير الطبري ج:27 ص:37
(2) تفسير ابن كثير ج:4 ص:246