فهرس الكتاب
وهذه الأقوال لا تخرج عما فسرها به ابن كثير؛ فالجوع والجدب وجور السلطان كلها من المصائب والشدائد، وسواء كان الجوع خاصا بقوم قريش، أم كان عاما لكل من خالف وعصى؛ فكله داخل تحت العذاب الذي توعد به المعاندين والمستكبرين.
الآية السادسة: قال تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} . [1]
في الآية السابقة ذكر الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، أنه أخذ أعداءه بالعذاب، وفتح عليهم باب عذاب، وتنوعت اجتهادات المفسرين في بيان العذاب الذي أنزله الله على هؤلاء المكذبين، وإن كانوا اتفقوا على أن سبب النزول هو مجيء أبي سفيان إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشكو إليه ما أصاب قريشا من الجوع والجهد.
فما المراد بالعذاب المذكور في هذه الآية؟ وهل هو مختلف عن العذاب المذكور في الآية السابقة أم لا؟ فأقول اختلف أهل التفسير في ذلك على أقوال منها:-
القول الأول: هو عذاب القبر. وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما. فقد روى قتادة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إنكم لتجدون عذاب القبر في كتاب الله {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} . [2] وهو قول البراء - أيضا - كما أخرجه ابن جرير. [3]
القول الثاني: هو الجوع. أو الجوع لقريش في الدنيا. وهو مروي عن مجاهد عن طريق ابن أبي نجيح. [4]
القول الثالث: هي المصائب التي تصيبهم في الدنيا من ذهاب الأموال والأولاد. وهذا مروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إلى أن قال: فهي للمؤمنين أجر وثواب عند الله، ومصائبُ هؤلاء عجلهم الله إياها في الدنيا. [5]
وبعد أن أورد ابن جرير رحمه الله هذه الأقوال، وجمع بينها، وبيّن القول الجامع لها قال:
(والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابا دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة؛ لأنه في البرزخ؛ والجوع الذي أصاب كفار قريش، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص الله نوعا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوعٍ، بل عمّ فقال: وَإِنَّ لِلَّذِينَ
(1) سورة الطور الآية 47.
(2) تفسير الطبري 27/ 36،37. وانظر تفسير الصنعاني 3/ 248.
(3) تفسير الطبري 27/ 37.
(4) تفسير الصنعاني 3/ 248. وتفسير الطبري 27/ 37. والدر المنثور 7/ 636.
(5) تفسير الطبري 27/ 37.