فهرس الكتاب
قال ابن جرير رحمه الله بعد أن ساق هذه الأقوال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله عجّبَ عبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووبخ المنافقين في أنفسهم بقلة تذكّرِهم، وسوء تنبّههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائز أن تكون تلك المواعظ الشدائد التي ينزلها بهم من الجوع والقحط، وجائز أن تكون ما يريهم من نصرة رسوله على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائز أن تكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم، وخبث سرائرهم بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولا خبر يوجب صحة بعض ذلك دون بعض من الوجه الذي يجب التسليم له، ولا قول في ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول الله: وهو أو لا يرون أنهم يختبرون في كل عام مرة أو مرتين بما يكون زاجرا لهم، ثم لا ينزجرون ولا يتعظون) . [1]
الآية الخامسة: قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} . [2]
اختلف المفسرون في المراد بالعذاب الوارد في هذه الآية على أقوال منها:-
القول الأول: أن المراد به عذاب خاص أرسله الله على قريش حين كذبوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليهم، ولذا ذكر ابن جرير رحمه الله أن هذه الآية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أخذ الله قريشا بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال جاء أبو سفيان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد! أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم - فأنزل الله هذه الآية. [3]
القول الثاني: أن المراد به جور السلطان ونقمته، وقال الحسن في معنى هذه الآية: (إذا أصاب الناس من قبل السلطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية) . [4]
القول الثالث: أن المراد به الجوع والجدب وهو مروي عن ابن جريج [5] ومجاهد. [6]
القول الرابع: أن المراد به المصائب والشدائد، وهو ما فسر به ابن كثير رحمه الله هذه الآية. [7]
(1) تفسير الطبري 11/ 74.
(2) سورة المؤمنون الآيتان 76 - 77.
(3) تفسير الطبري ج:18 ص:44. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى النسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل 6/ 111.
(4) تفسير الطبري 18/ 45 وانظر الدر المنثور 6/ 111.
(5) تفسير الطبري 18/ 45.
(6) الدر المنثور 10/ 611.
(7) تفسير ابن كثير 3/ 252،253. وانظر تفسير الطبري 18/ 44.