فهرس الكتاب
نبههم المولى إلى أنهم يتعرضون للاختبار في كل عام مرة أو مرتين، ومع ترادف البلاء، وتوالى النقم، إلا أنهم في غيهم سادرون، قال ابن جرير رحمه الله: (أولا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يختبرهم في كل عام مرة أو مرتين، بمعنى: أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، ثم لا يتوبون، يقول: ثم هم - مع البلاء الذي يحل بهم من الله، والاختبار الذي يعْرِضُ لهم - لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله، ويعاينون من آياته فيتّعظوا بها؛ ولكنهم مصرون على نفاقهم) . [1]
الوجه الثاني: ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات المتقدمات أنه يبتليهم بالخير والشر، وبالحسنات والسيئات، ولكن في هذه الآية ذكر أنه يفتنهم في كل عام مرة أو مرتين، فما المراد بالفتنة [2] في هذه الآية؟.
اختلفت أقوال المفسرين في المراد بها على أربعة أقوال: ـ
القول الأول: هو ما يشيع المشركون من الأكاذيب على رسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم فيفتن بها الذين في قلوبهم مرض. وهذا القول رواه أبو الضحى عن حذيفة - رضي الله عنه - حيث قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير. [3] وروى مثله ابن مردويه عن أبي سعيد. [4]
القول الثاني: هو الجهاد والغزو. وبه قال قتادة والحسن في قوله تعالى: {يُفْتَنُون فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} . قال: يبتلون بالغزو في كل عام مرة أو مرتين. [5]
القول الثالث: هو السنة والجوع وبه قال مجاهد. [6]
القول الرابع: هو المرض، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال بكار بن مالك. وأخرج أبو الشيخ عن العتبي قال: إذا مرض العبد ثم عوفي فلم يزدد خيرا؛ قالت الملائكة عليهم السلام: هذا الذي داويناه فلم ينفعه الدواء. [7]
(1) تفسير الطبري 11/ 73. وانظر التحرير والتنوير 11/ 67.
(2) ترد الفتنة في القرآن الكريم على معان متعددة، فتارة ترد ويراد بها إدخال الإنسان في النار، كقوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} . وتارة يسمى ما يحصل عنه العذاب فتنة كقوله: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} ، وتارة تأتي بمعنى الاختبار، كقوله جل ثناؤه {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} ، وتأتي بمعنى الشرك كقوله سبحانه: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} . انظر المفردات 372، مادة فتن.
(3) انظر تفسير الطبري 11/ 74. وتفسير ابن أبي حاتم 6/ 1916.
(4) انظر الدر المنثور 4/ 325.
(5) انظر تفسير الصنعاني ج:2 ص:291. وتفسير الطبري 11/ 73. وتفسير ابن أبي حاتم 6/ 1915، 1916، والدر المنثور 4/ 325، وتفسير ابن كثير 2/ 404، وتفسير القرطبي 8/ 299. وتفسير الرازي 16/ 184.
(6) انظر تفسير الطبري ج:11 ص:74. وتفسير ابن أبي حاتم 6/ 1915. والدر المنثور 4/ 325. وتفسير ابن كثير 2/ 404، وتفسير القرطبي 8/ 299، وتفسير الرازي 16/ 184.
(7) الدر المنثور 4/ 352.انظر تفسير القرطبي 8/ 299. تفسير الرازي 16/ 184.