فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 76

وكما تنوعت الجرائر بسبب تنوع دواعيها في النفس البشرية، إذ جميعها يرجع إلى أصلين: ترك مأمور، وفعل محظور، وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه أبوي الجن والأنس بهما، وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلوب، وباعتبار متعلقة إلى حق الله وحق خلقه [1] .

وقد تفاوتت درجات الذنوب بسبب اختلاف مفاسدها وما ينتج عنها؛ ولذا تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة، ولله الحكمة البالغة فقد يعم بالعذاب، وقد يؤجله، وقد يصبه على صاحبه، وهو لا يشعر، ويظن أنه منعم، وهو مستدرج، قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} [2] وقال جل ثناؤه: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [3] .

وقال سبحانه وتعالى: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا} [4] .

فنخلص من هذا إلى أن العذاب متنوع متفاوت، ومعجل ومؤجل، وخاص وعام، قد يعم العذاب كالزلزلة، وقد يخص كعذاب القبر والحمى والأمراض. وفيما يلي بيان لبعض أنواعه التي وردت في القرآن والسنة.

الأول: الهلاك العام

إذا فشا الذنب؛ عمت العقوبة، وهلك المذنبون، وشمل العذاب العامة والخاصة، وما ذاك إلا لأن المذنب انتهك محارم الله، وجاهر بمعصيته بين ظهراني قومه، وهم قادرون على الإنكار، فلم يأخذوا على يديه؛ فأحلوا عليهم عقوبته ومقته، قال تعالى: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ

(1) الجواب الكافي ص 86.

(2) سورة المؤمنون الآيتان 56،55.

(3) سورة آل عمران الآيات 176 - 178.

(4) سورة العنكبوت الآية 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت