فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 76

من أصناف العذاب الأدنى: المسخ، وهو: تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها. [1] أو هو كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: (تشويه الخَلْقِ والخُلُقِ، وتحويلهما من صورة إلى صورة. قال بعض الحكماء: المسخ ضربان: مسخ خاص يحصل في العينة وهو مسخ الخَلْق، ومسخ قد يحصل في كل زمان ومكان، وهو مسخ الخُلق؛ وذلك بأن يصير الإنسان متخلقا بخُلق ذميم من أخلاق بعض الحيوانات، نحو أن يصير في شدة الحرص كالكلب، وفي الشره كالخنزير) [2] .

ولقد عذب الله به بعض الأمم السابقة، فمسخ بعضهم قردة وخنازير؛ بسبب مخالفة الأمر والاحتيال عليه، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [3] . وقال تعالى: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [4] .

ذكر ابن جرير، وابن كثير، وغيرهما عند تفسير هذه الآية أنهم لما لم ينتهوا عن فعلهم قال الناهون لهم: (يا أعداء الله! والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبّحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلما، وأعلوا سور المدينة رجلا، فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله! قردة - والله - تعادى، تعاوى، لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي نعم!) [5]

فالآية مصرحة بأن الله عاقب هذه الأمة بالمسخ جزاءً لها على عتوها وتمردها، وهو مسخ حقيقي حوّل الله صورهم من الصورة الآدمية إلى الصورة الحيوانية، وكلام المفسرين على هذه الآية شاهد على هذا.

(1) التعريفات للجرجاني، ص 225.

(2) المفردات، ص 468، مادة مسخ.

(3) سورة البقرة الآية 65.

(4) سورة الأعراف الآيات 163 - 166.

(5) تفسير القرآن العظيم 2/ 259، وانظر جامع البيان 6/ 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت