فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 76

وأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحذّر أهل الكتاب - إذا كذبوه وخالفوا أمره - أن يحل بهم ما حل بأسلافهم، قال تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} . [1]

وهذا العذاب البئيس الذي أحلّه الله بالسابقين؛ توعد الله به اللاحقين المخالفين من هذه الأمة، فقد أخرج البخاري رحمه الله عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري- والله ما كذبني- سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيّتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) . [2]

وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم، إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار) . [3]

ففي هذين الحديثين الوعيد الشديد بالمسخ والتحويل إلى هذه الصورة البشعة، ففي الحديث الأول الوعيد على مقارفة المعصية واستحلالها، وفي الثاني الوعيد على المخالفة للأمر الشرعي والتقصير في أداء العبادة على الوجه المشروع.

وقد يتساءل متسائل: هل المسخ المذكور يراد به المسخ المعنوي أو الحسي؟ فأقول: أورد ابن حجر رحمه الله أقوال العلماء في ذلك، ورجح حمل الحديث على ظاهره وقال: (قال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية، أو هما معا، وحمله آخرون على ظاهره؛ إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، وسيأتي في كتاب الأشربة الدليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة، وهو حديث أبي مالك الأشعري في المغازي؛ فإن فيه ذِكْر الخسف، وفي آخره ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة، ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد:(أن يحول الله رأسه رأس كلب) فهذا يبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار، ومما يبعده أيضا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلا: فرأسه رأس حمار، وإنما قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة). [4]

(1) سورة المائدة الآية 60.

(2) صحيح البخاري، ح5268،5/ 2123.

(3) صحيح البخاري واللفظ له، ح659، 1/ 245، وصحيح مسلم، ح427،1/ 230.

(4) فتح الباري 2/ 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت