فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 76

أما حقيقة العذاب الأدنى: فهو كل عذاب عذب الله به أمة من الأمم أو فردا من الأفراد، في دار الدنيا أو في دار البرزخ، [1] وسواء أكان هذا العذاب عاما كعذاب قوم نوح، أم كان خاصا، كما حصل لقارون، وسواء كان حسيا كالغرق والخسف والمسخ والزلزلة والصيحة، أم كان معنويا، كطمس الأبصار، والختم على القلوب، والطبع عليها، وعدم إجابة الدعاء، وتسليط الشياطين، وسواء أكان هذا الذنب تطاولا على الخالق كالشرك، وتكذيب الرسل، أم كان تعديا على المخلوقين كقتل المستضعفين، والتطفيف في الموازين، وقد يعجل الله العقوبة ويباغت بالذنب قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [2] . وقال سبحانه وتعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [3] .

وقد يجمع الله على المعاندين عذاب الدنيا وعذاب البرزخ، كما قال الله سبحانه وتعالى مخبرا عن قوم فرعون وأنه سلط الله عليهم الطوفان والجراد والقمل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} [4] . وقال جل ثناؤه عن عذابهم في قبورهم: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [5] فالنار التي يعرضون عليها غدوا وعشيا؛ إنما يعرضون عليها وهم في قبورهم، كما سيأتي تفصيله، إن شاء الله.

وقد يتأخر العذاب الدنيوي، ويظن المغرور أنه على خير؛ خاصة إذا رأى نعم الله متوالية عليه، ومننه مترادفة إليه، ولا يعلم أن ما بينه وبين عذاب الله إلا كلمح البصر، كما وقع لقوم لوط عليه السلام حينما كذبوه وخالفوا أمره، فدعا ربه عليهم؛ فإذا المراسيم الإلهية تتنزل بهلاكهم (فو الله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر؛ وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب، ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد، من عند الرب الجليل، على يدي عبده ورسوله جبرائيل، بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل،

(1) سيأتي بيان ذلك عند بيان المراد من آية السجدة، وإيراد قول عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما.

(2) سورة الأعراف الآيتان 95،94.

(3) سورة الأعراف الآيتان 98،97.

(4) سورة الأعراف الآيتان 134،133.

(5) سورة غافر الآية 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت