فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 27

إنّ العفو والتجاوز لا يقتضِي الذّلَّةَ والضعف ، بل إنه قمَّة الشجاعة والامتنانِ وغلَبَة الهوى ، لاسيَّما إذا كان العفوُ عند المقدِرَة على الانتصار ، فقد بوَّب البخاريّ رحمه الله في صحيحه بابًا عن الانتصارِ من الظالم لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } [ الشورى39 ] ، وذُكِرَ عن إبراهيم النخعيّ قوله:"كانوا يكرَهون أن يُستَذَلّوا ، فإذا قدروا عفَوا" [ أخرجه البخاري ] ، قال الحسن بنُ علي رضي الله تعالى عنهما:"لو أنَّ رجلًا شتَمني في أذني هذه ، واعتذر في أُذني الأخرَى ، لقبِلتُ عذرَه" [ الآداب الشرعية لابن مفلح 1/319 ] ، وقال جعفرُ الصادِق رحمه الله:"لأن أندمَ على العفوِ عشرين مرّةً ، أحبُّ إليَّ من أندَم على العقوبة مرة واحدة" [ أدب المجالسة لابن عبد البر 116 ] ، وقال الفضيل بنُ عياض رحمه الله:"إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلًا فقل: يا أخي ، اعفُ عنه ؛ فإنَّ العفو أقرب للتقوى ، فإن قال: لا يحتمِل قلبي العفوَ ، ولكن أنتصر كما أمرَني الله عزّ وجلّ فقل له: إن كنتَ تحسِن أن تنتَصِر ، وإلاّ فارجع إلى بابِ العفو ؛ فإنّه باب واسع ، فإنه من عفَا وأصلحَ فأجره على الله ، وصاحِبُ العفو ينام علَى فراشه باللّيل ، وصاحب الانتصار يقلِّب الأمور ؛ لأنّ الفُتُوَّة هي العفوُ عن الإخوان".

والصّفح والعفو هما خلُقُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأين المشمِّرون المقتَدون ؟! أين من يغالِبهم حبُّ الانتصار والانتقام ؟! أين هم من خلُق سيِّد المرسَلين صلى الله عليه وسلم ؟! سُئِلَت عائشة رضي الله عنها عن خلُق رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالت:"لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا في الأسواق ، ولا يجزِي بالسيِّئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح" [ أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأصله في الصحيحين ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت