الصفحة 1 من 12

العقود ومعنى تكييفها الشرعي ... *نشأة العقود: ... إن العقود لم تظهر إلا بعد الحاجة إليها، فالإنسان في القديم لم يحتج إلى العقود، كون جميع احتياجاته متوفرة أمامه - لقلتها - لا يمنعه منها أحد. ... وقد كان يقوم شخصيًا بإشباع حاجاته عن طريق إنتاج ما يلزمه ويحتاج إليه؛ من الطعام واللباس والسكن. ... ولما كثر عدد الأفراد، وتزايدت احتياجات الفرد، شعر الإنسان أنه بحاجة إلى مَن يستطيع تلبية رغبته من الاحتياجات التي كثرت وتعددت وتنوعت، ولم يكن بوسعه إشباعها كلها بمفرده؛ إما لعدم قدرته على ذلك، أو لعدم رغبته في إنتاجها بنفسه. ... فاندمج الفرد في إطار الجماعة الضيقة، وبدأت هذه الجماعة تتقاسم العمل فيما بينها، وصار لكل فرد منها عمل يختص به. ... وبعد أن تعددت الجماعات، وكثرت الاحتياجات، وتزايدت المنتجات؛ وذلك باستقرار الإنسان وترك حياة التنقل، واشتغاله بالزراعة، حيث ارتبط بالأرض، وانخرط في سلك الجماعة الواسعة، عند ذلك صار الإنسان يفكر في الأخذ والعطاء وتبادل الحاجات (1) . ... فكان من الضروري التزام كل من الطرفين بتقديم الفائض لديه وأخذ ما يلزمه، هذا الالتزام هو التعاقد بين الطرفين لتنفيذ الإرادة والرغبة في التبادل. ... وتنوعت صور المبادلات، وهي في الجملة تخضع لنظرية العقد [التي تنظم حركة النشاط الاقتصادي، وتضبط أصول التعامل، وحرية التجارة، وتبادل الأعيان والمنافع] (2) أي ما يسميه الاقتصاديون السلع والخدمات. ... [والعقود بند أساسي في جميع الأعمال المالية، ولا سيما الأعمال المصرفية؛ لأنها تحدد الاشتراطات، ومسؤوليات كل طرف من أطراف العملية] (3) ، لذا، لا بُدَّ من وقفة مع العقود من حيث: التعريف، والصيغة، والمحل، والأنواع، ولا سيما ما يتصل منها بالعمليات المصرفية. ... *موقف التشريع الإسلامي من العقود: ... قبل الحديث عن التعريف والصيغة والأنواع، أعرض لموقف القرآن والسنة من العقود عمومًا. ... • لقد اشتمل القرآن الكريم على آيات تثبت مشروعية العقد، وتأمر بالوفاء به والالتزام بما اتفق عليه العاقدان. ... - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (4) . ... - وقال الله عزَّ وجلَّ: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (5) . ... وأضاف اللهُ تبارك وتعالى العهدَ إلى نفسه دلالة على أهمية الوفاء به (6) ، قال عزَّ وجلَّ: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) (7) . ... * والعقود أمانة، والأمانة واجبة الأداء، يحرم جحودها وإنكارها، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (8) . ... * والعقد ارتباط، وإذا التزام الإنسان بالقول فلا بُدَّ من الالتزام بالعمل والتنفيذ، وإلا وقع في غضب الله ومقته. ... - قال عزَّ وجلَّ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (9) . ... • وفي أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توجيهٌ للالتزام بالعقود، والحرص على تنفيذها، إذ إنَّ خُلْفَ الوعدِ من النفاق. ... - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" (10) . ... - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ" (11) . ... * تعريف العقد: ... - العقد في اللغة (12) : نقيض الحَلّ، ويأتي بمعنى: العهد، ويأتي بمعنى الربط بين أطراف الشيء، وهو: اتفاق بين طرفين يلتزمُ بمقتضاه كلٌّ منهما تنفيذ ما اتفقا عليه، ويدخل المعنى اللغوي في المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء لكلمة العقد. ... - وللعقد عند الفقهاء معنيان (13) : عام وخاص. ... أما المعنى العام فهو: كل ما عزم المرء على فعله، سواء صدر بإرادة منفردة، أم احتاج إلى إرادتين، فهو بهذا المعنى يتناول الالتزام مطلقًا. ... أما المعنى الخاص، فهو: [ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله] (14) ، أو هو: [تعلُّق كلام أحد العاقدين بالآخر شرعًا على وجه يَظهر أثرُه في المحل] (15) . ... ومن اللافت للنظر في تعريف العقد عند الفقهاء قولهم:"شرعًا"لإخراج الارتباط بين المتعاقدين على وجه غير مشروع، كارتباط المتعاقدين بعقد -ربا-أخذ زيادة بدون عوض، ولا بُدَّ من التأكد في العقود المالية المصرفية أن تكون مشروعة. ... - والعقد عند رجال القانون، هو: [توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني من إنشاء التزام أو نقله، أو تعديله، أو إنهائه] (16) . ... و [يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين، مع مراعاة ما يقرره القانون فوق ذلك من أوضاع معينة لانعقاد العقد] (17) . ... * والفارق بين التعريفين الفقهي والقانوني: أن التعريف الفقهي يؤكد على الارتباط الذي يُعْتَدُّ الشارع به وليس مجرد اتفاق الإرادتين، إذ قد يحصل اتفاق بين إرادتين على شئ يحرِّمُه الشارع، وبذلك يكون تعريفُ العقد عند القانونين غيرَ مانع من دخول العقد الباطل فيه (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت