الصفحة 2 من 12

وهذا ما لا ينبغي الوقوف عنده، إذ لابد أن يكون التعريف جامعًا مانعًا، وهو تعريف الفقهاء للعقد، فالعقد المعتبر في الإسلام هو العقد المشروع الذي ينضم للنظام العام الذي وضعه الشارع ليسير عليه الناس، وما على الأفراد إلا التقيد التام بأحكام الشرع الذي نظّم لهم العقود (19) . ... * في تعريف العقد مرّ قول الفقهاء: [إرادة منفردة] ، و [إرادتين] ، وهذا يعني: أن الإرادة الواحدة قد تستقل بإنشاء التزام وعقد، ولا يقتصر هذا على النية فحسب، بل قد يكون هذا الالتزام ماليًا، ومن أمثلة الالتزام بإدارة واحدة في الفقه الإسلامي: الجعالة (20) والوقف (21) والإبراء (22) ، والوصية (23) ، واليمين (24) ، والكفالة (25) . ... غير أن الأصل في العقود أن يكون العاقد متعددًا، أي ينشأ العقد بإيجاب وقبول، يُعَبِّر كل واحد من الموجِب والقابل عن إرادته في تنفيذ مقتضيات العقد. ... *هل الوعد عقد أم لا؟ ... قد يحصل بين الناس شئ من الالتزام الأدبي في إنشاء عقد في المستقبل، فهل هذا العهد والالتزام الضمني يجب الوفاء به أم لا؟. ... يشير الفقهاء (26) إلى أن العقد يلزم الوفاء به ديانةً وقضاءً (27) ، لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (28) ، وقوله عزَّ وجلَّ: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (29) . ... أما الوعد فلا يلزم الوفاء به قضاء، بل الوفاء به مندوب إليه مطلوب ديانة، هذا مذهب جمهور الفقهاء- خلافًا لفقهاء المالكية. ... دليل جمهور الفقهاء: إنَّ الالتزام بالعهد من مكارم الأخلاق، وإن الخُلف بالعهد من صفات المنافقين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" (30) . ... وحذَّر القرآن الكريم المؤمنين من الوقوع في الخلف بالعهد، قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (31) . ... غير أن الالتزام الأدبي بالعقد، صار لزامًا أن يأخذ قوة في الوفاء به، وبخاصة في المعاملات المالية المعاصرة، ومن الواجب أن يعمل الفقهاء على اختيار الفتوى القاضية بجعل الوفاء بالعهد لازمًا قضاءً وديانةً؛ حفاظًا على أموال الناس ومحافظة على القيم الإسلامية النبيلة. ... وهذا الذي أرى الفتوى به، قد أشار إليه بعض الفقهاء في السابق، حتى في عهد التابعين فهذا ابن شبرمة (32) يشير إلى إلزام الواعد وإجباره على الوفاء بوعده قضاءً، وذكر ابن حزم (33) والقرافي (34) أن فقهاء المالكية يُلزِمون الواعد بوعده إذا أدخل الموعود له بكلفة، أو كان الوعد مقرونًا بذكر السبب (35) . ... واختار فقهاء الحنفية هذا القول إذا كان الوعد مُعَلَّقًَا، فالقاعدة الفقهية لديهم: [المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة] (36) . ... ويُلاحظ أن القوانين الوضعية تتفق مع القول بإلزام الواعد بالوفاء، بالعقد أو بالعمل (37) . ... * صيغة العقد: ... هي: التعبير الدَّال على إرادة المتعاقدين لإنشاء العقد وإبرامه، ويسمى هذا التعبير: إيجابًا وقبولًا (38) . ... والأصل (39) في العقود اتفاق الإرادتين، وتراضي المتعاقدين، وليست الألفاظ إلا ترجمة عن ذلك الاتفاق والتراضي، وقد أوجب الفقه الإسلامي ظهور الإرادتين بشكل واضح بّين، ولا شكَّ فيه؛ حفاظًا على الأموال والأعمال. ... ولا بُدَّ من أن تتوفر في الإيجاب والقبول ثلاثة أمور أساسية: ... - وضوح المعنى. ... - توافق الإيجاب والقبول. ... - جزم الإرادتين. ... وسأكتفي بتفصيل الأمر الأول -وضوح المعنى-؛ لكون الأمرين الأخيرين مما لاشكَّ فيهما في العقود حتى تستقيم، أما وضوح المعنى فكيف يكون؟. ... إن التعبير عن إرادة المتعاقدين، تكون أصلًا باللفظ أو بالقول، يقول الشاعر: ... إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلا ... ويمكن أن يقومَ مقامَ اللفظ -اللسان-، أُيُّ تصرفٍ يدل على الإرادة، سواءٌ كان بالعمل أو بالإشارة أو بالكتابة. ... أما بدون صيغة للعقد أو دلالة على الإرادة فلا يتم العقد، وقد نصت مجلة الأحكام العدلية (المادتان 173 - 174) (40) ، والقانون المدني السوري المادة رقم (93/ 1) على انعقاد العقد بأي صيغة تدل عرفًا أو لغةً على إنشاء العقد، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة (41) . ... واللفظ، هو الإرادة الطبيعية الأصلية في التعبير عن الإرادة الخفية؛ لسهولته وقوة دلالته ووضوحه، ولا يشترط فيه لغة معينة، إذ إنَّ أيَّ لغةٍ يفهمها المتعاقدان تكون كافية لإتمام العقد، كذا لا يشترط فيه عبارةٌ خاصة، ولا لفظٌ معين (42) . ... وقد ينعقد العقد بدون قول أو لفظ، وإنما بفعلٍ يرصد من أحد المتعاقدين، أو من كليهما، ويسمى هذا في الفقه: العقد بالمعطاة (43) وهو جائز عند جمهور الفقهاء (44) غير فقهاء الشافعية (45) ، وقد اتفق القانون المدني السوري المادة رقم (93/ 1) (46) مع رأي جمهور الفقهاء. ... والتعاقد بالإشارة فيه تفصيل (47) ، فالإشارة إما أن تكون من ناطق أو من أخرس فإذا كان العاقد قادرًا على النطق فلا ينعقد العقد بإشارته، فالإشارة لا تكون مفيدة لليقين قطعًا ولا يُلجأ إليها إلا عند الضرورة، مع أن فقهاء المالكية (48) وفقهاء الحنابلة (49) أجازوا التعبير عن الإرادة العقدية من الناطق بالإشارة المفهمة، ووافق القانون المدني السوري المادة رقم (93/ 1) (50) على انعقاد العقد بالإشارة المتداولة عرفًا، ولو كانت من الناطق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت