وإذا كان العاقد عاجزًا عن النطق كالأخرس ومعتقل اللسان، فإن كان يُحْسِنُ الكتابة فلا بُدَّ منها؛ لأن الكتابة أبلغ في الدلالة على الإرادة، وأبعد عن الاحتمال من الإشارة، فيُلجأ إليها، أما إذا كان لا يحسن الكتابة، وله إشارة مفهمة فتقوم إشارته مقام النطق باللسان باتفاق الفقهاء للضرورة، وفي مجلة الأحكام العدلية: (الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان) (51) . ... والتعاقد بالكتابة جائز، سواء كان العاقدان ناطقين أم عاجزين عن النطق، وسواء كانا حاضرين في مجلس العقد أم غائبين، وبأي لغة كانت ما دامت الكتابة مفهومة لدى الطرفين. ... واشترط الفقهاء أن تكون الكتابةُ مستبينةً باقيةَ الصورةِ بعد الانتهاء منها، مرسومةً، مسطرةً بالطريقة المعتادة بين الناس؛ بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل. ... وفي صحة العقد بالكتابة جاء في مجلة الأحكام العدلية: (الكتاب كالخطاب) (52) ، وهذا رأي فقهاء الحنفية (53) وفقهاء المالكية (54) . ... واشترط فقهاء الشافعية (55) وفقهاء الحنابلة (56) لصحة العقد بالكتابة: أن يكون العاقدان غائبين. ... * التعاقد بواسطة آلات الاتصال الحديثة: ... مع تطور الحياة وتقدم التقنية وتوفر وسائل الاتصالات الآلية المباشرة، ظهرت مسألة البحث عن فتوى في جواز أم عدم جواز، وكيفية إيجاد المخرج الشرعي المناسب لإجراء العقود بواسطة آلات الاتصال الحديثة، مثل: إجراء العقود عبر الهاتف، وإجراء العقود عبر المراسلات الآلية؛ كالبرقيات أو بواسطة التلكس أو الفاكس [البريد المصور] أو عبر الشبكة العالمية (الإنترنت) مثلًا. ... وقد درس فقهاء العصر هذه المسألة؛ أفرادًا وجماعات، من خلال أبحاث وكتب الفقه الإسلامي بثوبه الجديد، وكتاباته المعاصرة، وكان من جملة مَن تداول هذا الأمر أعضاء مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ووصلوا إلى نتيجة مفادها جواز إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، كون تلك الآلات تشبه المرسِل سابقًا. ثم إن اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد لا يشترط فيه كون المتعاقدين يضمهما مكان واحد، بل يمكن تفسير اتحاد المجلس باتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين بالعقد. ... ففي المراسلات التجارية يكون مجلس العقد هو زمن وصول الرسالة من المُوْجِب إلى الراغب بالقبول، وعليه أن يُظْهِرَ قبوله وموافقته للإيجاب ليتم العقد صحيحًا، فإنْ تَأَخَّرَ القبول إلى مجلسٍ ثان لم ينعقد العقد. وفي الاتصال عبر وسائل الاتصالات الحديثة (الهاتف، والبريد المصور) يُعَدُّ مجلس العقد هو زمن الاتصال عبر هذه الوسائل مادام الكلام مرتبطًا ومتعلقًا بشأن العقد دون سواه، فإن انتقل المتحدثان (المتخاطبان) إلى حديث آخر انقطع مجلس العقد، ويكون الالتزام الواجب تنفيذه هو الاتفاق الذي تم خلال مجرى الحديث. ... وقد أجمع الفقهاء على أن العقد يتم وينعقد بين الغائبين - كما في آلات الاتصال الحديثة- بمجرد إعلان القبول، ولا يشترط العلم بالقبول بالنسبة للطرف الموجِب (57) . ... لكنْ إبعادًا لكل لَبْسٍ أو غموض، وتمكينًا من إثبات العقد، وتأكيدًا لإبرامه، جرى العرف الحاضر على إرسال العرض أولًا، ثم إرسال القبول، ثم إتمام العقد. ... * محل العقد: (58) ... هو ما يقع عليه العقد، أي هو المعقود عليه، الذي تظهر فيه أحكام العقد وآثاره، فهو: كل شئ طاهر منتفع به شرعًا، سواء كان عينًا أم منفعة؛ سلعة أم خدمة، ويشترط أن يكون معلومَ الوجودِ، والصفةِ، والقَدْرِ، والأَجَلِ إنْ أُجِّلَ، ويشترط أن يكون مقدورًا على تسليمه، وأن يكون سالمًا من الغرر والربا، ومن كل شرط مُفْسِد. ... وهذه الشروط ينبغي التنبه إليها في كل عقد يجريه المصرف ليصار إلى معرفة حكم هذا العقد إن كان موافقًا للشرع يُنَفَّذ، وإلا وجب إبطاله. ... * موضوع العقد: (59) ... هو المقصد الأصلي الذي شُرِع العقد من أجله، والشرع الحنيف هو الذي يحدد مقصد كل عقد، ومع أن موضوع العقد واحد ثابت في كل فئة أو نوع من أنواع العقود، ولكنه يختلف باختلاف فئات العقود أو أنواعها، فهو في عقود البيع واحد: هو نقل ملكية المبيع للمشتري بعوض، وفي الإجارات: هو تمليك المنفعة بعوض، وفي الهبات: هو تمليك العين الموهوبة بلا عوض، وفي الإعارات: هو تمليك المنفعة بلا عوض، وهكذا ... * الإرادة العقدية: ... هي القوة المولَّدة للعقد، ولها شعبتان: ... 1 - الإرادة الباطنة، وهي النية. ... 2 - الإرادة الظاهرة، وهي الألفاظ المعبرة عن النية. ... والإرادة الباطنة لها عنصران لا تتحقق بدونهما، وهما: الاختيار والرضا، والاختيار هو القصد، والرضا هو الارتياح إلى العقد والرغبة فيه، وهو ركن جوهري في العقد (60) . ... هذا، وقد عوَّل فقهاء الحنفية (61) على الاختيار فجعلوه شرطًا من شروط الانعقاد، أما الرضا، فهو شرط صحة عندهم وليس شرط انعقاد.