فإذا وجد الاختيار والرضا كان العقد صحيحًا منعقدًا. ... وإذا وجد الاختيار دون الرضا كان العقد منعقدًا فاسدًا، حتى يتم الرضا. ... وأما عند جمهور الفقهاء (62) ، فالاختيار والرضا متلازمان، بمعنى أنه لا يوجد أحدهما بدون الآخر، فالاختيار هو القصد إلى العبارات المنشئة للعقود، بحيث تكون ترجمة عما في النفس ودليلًا على الرغبة في العقد وآثاره، وهذا هو معنى الرضا. ... • موقف الفقهاء من الإرادة الباطنة والظاهرة ... إذا تطابقت الإرادتان كان العقد صحيحًا شرعيًا، ولكن في الواقع العملي قد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، ولا توجد معها إرادة باطنة، فما حكم العقد؟ ... ولن يتم تفصيل صورية العقد كلها، ولا الشك الذي قد يقع في وجود الإرادة، وإنما سيكون الحديث حول ما يخص المعاملات المالية في صورية العقد فيها أحيانًا، إذ إن العاقدَّ قد يتخذ شكلًا مباحًا وسيلةً لتحقق غرض غير مباح شرعًا (63) ، وهذا ما يسأل عنه كثير من الناس: إن العقد في ظاهره أتم الشروط والأركان، إلا أن الغرض والإرادة الباطنة فيها تحايل على الحرام، ويتخذون الرضا ذريعة لإتمام هذا العقد. ... وعلى سبيل المثال: المستقرِض من المصارف يُنْظَر إلى عقده من باب الرضا، سواء كان قرضًا حسنًا أم قرضًا ربويًا بفائدة، والمتبايع بالِعينة يتحايل على الربا، وفي ظاهرة العقد تمام للشروط والأركان المعتبرة في البيوع. ... في الأسطر الآتية بيانٌ لرأي الفقهاء (64) في هذه المسألة: ... يندرج رأي الفقهاء في هذه المسألة تحت ما يسمى-نظرية السبب في العقود-، وللفقهاء اتجاهان في هذه القضية (65) : ... - اتجاه تُغلَّب فيه النظرة الموضوعية، والشكل الظاهر للعقد، (الإرادة الظاهرة) . ... - واتجاه تُلاحظ فيه النيات والبواعث الذاتية، الداخلية، (الإرادة الباطنة) . ... - أما الاتجاه الأول: فهو مذهب فقهاء الحنفية (66) وفقهاء الشافعية (67) ، وقد عوّلوا على الإرادة الظاهرة في العقود، وتعليلهم بأنَّ هذا يَجعل المعاملاتِ المالية في استقرار، أما البواعث الداخلية فهي تهدد المعاملات بالقلق. ... ولا تأثير للسبب أو الباعث على العقد إلا إذا كان مصرحًا به في صيغة التعاقد، فإن لم يُصَرَّح به فالعقد صحيح لاشتماله على أركان العقد الأساسية، لكنه مكروه تحريمًا عند فقهاء الحنفية حرام عند فقهاء الشافعية، بسبب النية غير المشروعة. ... وأقرب مثال وأوضحه هو بيع العنب لعاصره خمرًا، فهو صحيح من حيث العقد، حرام من حيث النية. ... - وأما الاتجاه الآخر، فهو مذهب فقهاء المالكية (68) وفقهاء الحنابلة (69) ، الذين يُنْظَرون إلى القصد والنية والباعث، فيُبْطِلُون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع بشرط أن يكون الطرف الآخر عالمًا بالسبب غير المشروع، أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك من خلال الظروف والقرائن. ... فإذا كان الباعث مشروعًا فالعقد صحيح، وإذا كان الباعث غير مشروع فالعقد باطل حرام؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، فيَبطل عقد بيع العنب لعاصره خمرًا، ويبطل عقد فيه تحايل على الربا -كبيع العِيْنَة-، وإن كان من حيث الظاهر تامَّ الأركان والشروط. ... * سلطان الإرادة العقدية: (70) ... اشتهرت على الألسنة قاعدة قانونية هي: [العقد شريعة المتعاقدين] أي إن القانون مُلْزِم لكلٍ من الطرفين المتعاقدين فيما تقضيه بنوده وشروطه (71) . ... وهذا يعني: إعطاء الحرية للمتعاقدين في إنشاء العقد وآثاره المترتبة عليه، دون قيد، إلا بما يسمى: النظام العام (72) ، كما يسمح هذا السلطان للإدارة بإنشاء عقود جديدة بحسب ما تقتضيه المصالح الاقتصادية والتطورات الزمنية. ... فكأن أَمْرَ العقودِ مَرَدُّه إلى العرف، لا إلى حدود الشرع الذي وَضَعَ قواعد العقد، ونظَّم أحكامها وحدَّد التزاماتها، وهذا لا يعني أن العقود التي مرجعها العرف مرفوضة، بل إن العرف مقبول إذا لم يخالف النصوص الشرعية (73) . ... ومما يُلاحَظ أن عمليات المصارف هي من العقود الجديدة-غالبًا-، وليست من العقود المسماة-وإن كان الأمر نسبيًا-، وفي هذا البحث سيكون الحديث عن تكييف تلك الأعمال المصرفية والعمليات التعاقدية بين المصرف وعملائه ضمن حدود العقود المسماة (74) ، فالحرية في التعاقد لا ينبغي أن تكون مطلقة، ورضائية المتعاقدين لا ينبغي أن تكون هي الأساس فقط، بل إن هذه الرضائية والحرية ضمن حدود ما أنزل الله في كتابه وما بَيَّن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما يقال عن أصل العقد يقال على الشروط والآثار المترتبة عليه، وفي الأسطر الآتية بيان لهذا الموضوع. ... *حرية التعاقد و رضائيته: ... الرضا هو أساس العقود (75) ، دليل ذلك: ... - قول الله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم) (76) . ... - وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ" (77) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (78) . ... مما سبق يُعْلَمُ أن مجرد التراضي هو الذي يولِّد العقد والتزاماته، دون الحاجة لممارسة شكلية معينة، وأن الإرادة حرة في إبرام العقود دون خضوع لإكراه، إلا في بعض الحالات الاستثنائية (79) . ... * والعقود المصرفية تُبْرَم وتنعقد برضا المصرف، ورضا العميل غالبًا، إذ العميل يوافق على الشروط التي يضعها المصرف، وعلى النموذج الذي يحرره المصرف، وربما لا يكون ذلك بكامل الرضا عند العميل، لذا يرى شُرَّاح القانون أن العقود المصرفية