فهرس الكتاب
رجل أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته) [1] ، فلقد فضّل تغميز قدميّ أمه على قيام الليل، وما ذلك إلا لفقهه رحمه الله.
وأخرج عبدالرزاق في (المصنف) عن طاووس قال: (كان رجل له أربعة بنين فمرض، فقال أحدهم: إما أن تمرضوه، وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء، قالوا: بل مرّضه وليس لك من ميراثه شيء، فمرّضه حتى مات، ولم يأخذ من ماله شيئًا) [2] . فلقد تنازل عن نصيبه من الميراث حتى يضمن قيامه بآخر حق لوالده عليه.
والمرأة التي غفر الله لها كما أخبر بذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما كان بسبب برها بوالديها، ذلك أنه كان لها أم عجوز كبيرة فجاءهم النذير أن العدو يريد أن يغير عليكم الليلة، فارتحلوا ليلحقوا بعظيم قومهم ولم يكن معها ما تحتمل عليه، فعمدت إلى أمها، فجعلت تحملها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها، ثمَّ ألصقت بطنها ببطن أمها، وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت فغفر الله لها [3] .
وعلى كل حال فما سبق من الآثار والأحاديث في بر الوالدين يتضح لنا أمرًا جليًا آخر مصاحب للبر وهو أن كل هذه الرعاية التي تقدم للوالدين يمكننا أن نعدها مظهرًا من مظاهر رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم، إذ الغالب الأعم أن الوالدين كبيران في السن، فإلى جانب البر الذي أمر الله به للوالدين نجد هناك
(1) الدر المنثور، مرجع سابق، جزء 5، ص 268.
(2) الدر المنثور، مرجع سابق، جزء 5، ص 268.
(3) المصنف، مرجع سابق، جزء 11، ص 133.