الصفحة 65 من 197

وأخرج الإمام مسلم - رحمه الله - في (الصحيح) أن سمرة بن جندب - رضي الله عنه- كان يقول: لقد كنت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غُلامًا، فكنت أحفظُ عنه، فما يمنعني من القول إلا أنّ ههُنا رجالًا هُم أسنُّ مني.

ولقد تطبّع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه وتقديره انقيادًا لتعاليم دينهم، واتباعًا لسنة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ، فكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من أشد الناس توقيرًا لإخوانه ولمن هو أسن منه، فقد روى عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكبًا على حماره، فأخذ له الإمام أحمد بالركاب. وقال المروزي: رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ [1] .

وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال: (( حدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك ) ) [2] ، فهذا خلقهم - رحمهم الله - فالأسن مقدم ولو كان الفارق ليلة فكيف بسنة أو سنوات؟! فذلك من باب أولى، وروى الحسن بن منصور قال: كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يومًا نعود مريضًا فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني [3] .

وتتوالى الوصايا من الآباء إلى الأبناء بامتثال ذلك الخلق والحث على التحلي به وعدم التفريط فيه. فهذا البخاري يروي أن قيس بن عاصم السعدي

(1) الآداب الشرعية والمنح المرعية، مرجع سابق، جزء 1، ص 470.

(2) كتاب الحدائق في علم الحديث والزهديات، ابن الجوزي، تحقيق: مصطفى السبكي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1408هـ، جزء 3، ص 105.

(3) الآداب الشرعية والمنح المرعية، مرجع سابق، جزء 3، ص 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت