فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 48

عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد} (رواه مسلم) فاختلف العلماء في العلة الدالة في تحريم بيع هذه الأجناس متفاضلة. والحديث يحتوي على جملتين:

الأولى: حالة النقدين، والثانية: حالة الأصناف الأربعة. ولكل حالة منهما علة تنفرد بها، فعلة الذهب والفضة غير علة الأصناف الأربعة. فنرى أن المجتهد في البحث بطريق السبر والتقسيم عن العلة في التحريم، فقد يصل به بحثه إلى أن العلة في النقدين الوزن مع الجنس، وفي الأصناف الأربعة الكيل مع الجنس سواء كان مطعومًا كالأرز أم غير مطعوم كالحناء، وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد. أو قد يصل به بحثه إلى أن العلة في النقدين هي غلبة الثمنية أو جوهر الثمنية غالبًا فالعلة قاصرة على الذهب والفضة، وهذا مذهب مالك والشافعي، وفي الأصناف الأربعة عند مالك العلة هي: الاقتيات والادخار، وعند الشافعي: هي الطعم مع اتحاد الجنس [1] . وعلى أساس العلة التي استنبطها العلماء يكون القياس.

ذكر إمام الحرمين عن القاضي قوله: السبر من اقوى الطرق في إثبات علة الأصل. وقد استشكل إمام الحرمين ذلك، فقال:"هو مشكل جدًا فإن من أبطل معاني لا يلزم من إبطالها إثبات ما لم يتعرض له بالإبطال؛ لاحتمال بطلانه أيضًا؛ لأنه لا يمكن تعليل كلل حكم، فيمكن أن يكون لذلك الحكم علة أخرى، لجواز تعليل الحكم بعلل، ولو قام الدليل على اعتبار معنى لا يتوقف اعتباره على إبطال غيره، فلا حاجة إلى السبر والتقسيم ألبته." [2]

والسبر والتقسيم قسمان [3] :

الأول: التقسيم الحاصر: وهو الذي يدور بين النفي والإثبات. فهو عبارة عن حصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها، ثم اختبارها وإبطال ما لا يصلح منها. وقد يكون في القطعيات وذلك إذا كان دليل إلغاء الأوصاف التي لا يصح التعليل بها قطعيًا، وهذا يكون حجة في العقليات والشرعيات، كقولنا: العالم إما أن يكون قديمًا أو حادثًا، فالأول باطل، فثبت أنه حادث.

وقد يكون في الظنيات، كعلة ولاية الإجبار على النكاح إما الصغر أو البكارة، والأول باطل؛ وإلا لثبتت الولاية في الثيب الصغيرة، وهذا مخالف للنص وهو قوله صلى الله عليه وسلم: {والثيب أحق بنفسها من وليها [4] } فتعين أن يكون التعليل بالبكارة.

(1) انظر"الربا والمعاملات المصرفية" (96، 112)

(2) البرهان (2/ 36) بتصرف

(3) "شرح الأسنوي" (3/ 113) ،"إرشاد الفحول" (2/ 178) .

(4) رواه مسلم (2/ 841 رقم 1421) ، وأبو داود رقم (2085) ، والنسائي رقم (3264) ، وأحمد (1/ 19) ، والدارقطني (3/ 240 رقم70) ، وابن حبان رقم (4718) ، والبيهقي (7/ 186) ، والمعجم الكبير للطبراني رقم (10743) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت