فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 48

يختبر به الجرح في الطب، فإنه يقال له المسبار، وسمى هذا به؛ لأن المجتهد يقسم الصفات ويختبر كل واحدة منها، هل تصلح للعلية أم لا؟

والمراد بالسبر في الاصطلاح: هو اختبار الأوصاف التي يحصرها المجتهد؛ ليميز الصالح للتعليل من غيره.

والتقسيم في اللغة: الافتراق. وفي الاصطلاح: هو حصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها.

فالتقسيم مقدم في الوجود على السبر، فكان الأولى أن يقال " التقسيم والسبر " وإن لم تدل الواو على الترتيب، لكن البداءة بالمقدم أجود، ولكن أخروا التقسيم لأن السبر أهم، والعادة تقديم الأهم، كما هي عادة العرب تقديم الأهم في التعبير على غيره.

وتعريف السبر والتقسيم معًا: هو حصر الأوصاف التي يتوهم صلاحيتها للتعليل، ثم اختبارها وفحصها لإبطال ما يراه غير صالح للتعليل، فمثلًا: كقوله تعالى: {أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا} [الأنبياء:] وهي رد على العاص بن وائل السهمي بقوله: {لأوتين مالا وولدا} [الأنبياء:] ، فيقال له: لا يخلو مستندك من ثلاثة أمور:

الأول: أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن الله قد كتب في اللوح المحفوظ إيتاءك المال والولد.

الثاني: أن يكون الله أعطاك عهدا بذلك. فلن يخلف الله وعده.

الثالث: أن تكون قلت ذلك افتراء على الله من غير عهد ولا إطلاع.

ولا شك أن القسم الأول والثاني باطل؛ لأنه لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا. فتعين القسم الثالث وهو الافتراء على الله (1) .

ومثاله أيضًا: ورد النص بتحريم الخمر {كل مسكر خمر} ولم يبلغ بعض المجتهدين هذا النص، أو بلغه ولم يصح عنده، فيبحث عن العلة التي من أجلها حرم الخمر، فيحصر الأوصاف عنده، فهل حرم الخمر لكونه سائلًا، أو لكونه متخذًا من العنب، أو لكونه مسكرًا وهكذا، ثم يختبر ويتأمل الأوصاف التي حصرها فيلغي ما كان منها غير مناسبًا للحكم، ويستبقي الحكم الذي يجمع شروط العلة، فالأول وصف طردي لا علاقة له بالحكم، والثاني وصف قاصر غير متعدي، والثالث الذي هو الإسكار وصف منضبط متعديًا جامع لشروط العلة فيكون الإسكار علة في تحريم الخمر.

وعملية السبر والتقسيم تختلف أنظار المجتهدين فيه، فما يراه هذا مناسبًا، لا يراه الآخر مناسبا، وهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في فهم وإدراك الوصف المناسب، وأمثال هذا كثير، فمثلًا: حديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت