فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 48

حكم قياس الشبه:

اعلم أن قياس الشبه لا يصار إليه مع إمكان القياس بالعلة. وحكى الإجماع على هذا القاضي أبو بكر والباقلاني والزركشي وغيرهم [2] . وقد اختلف العلماء في حكمه على مذاهب:

القول الأول: أنه ليس بحجة، والتعليل به باطل. وهو قول الحنفية، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وأبو اسحاق الشيرازي، والصيرفي، والباقلاني. واحتجوا بأن الوصف الشبهي ليس بمناسب، وما ليس بمناسب لا يعلل به اتفاقًا، فحينئذ فالشبه لا يكون مثبتًا للعلية، فلا يحتج به.

القول الثاني: أنه حجة. وهو قول أكثر الفقهاء، وذلك أنه يفيد ظن العلية فوجب العمل به. ونوقش القول الأول: أن الذي لا يعلل به اتفاقًا هو الوصف الذي لا مناسبة فيه أصلًا لا باعتبار ذاته ولا باعتبار ما اشتمل عليه، والوصف الشبهي فيه مناسبة بالتبع، وذلك أن الحكم لا بد فيه من علة، وان العلة إما تكون مناسبة أو غير مناسبة، وغير المناسب إن كان مستلزمًا للمناسب فلا شك أن إسناد الحكم إلى هذا الوصف أقوى من ميله إلى إسناده إلى غيره؛ وهذا يفيد غلبة الظن، فوجب العمل به. قال ابن تيميه:"من قال: ليس بحجة، فقد يحكم فيه بحكم ثالث مأخوذ من الأصلين، وهو طريقة الشبهين، فيعطيه بعض حكم هذا وبعض حكم هذا ... وطريقة الشبهين ينكرها كثير من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو مقتضى قول من يقول بغلبة الاشتباه ويعتبر للحادثة معينا ... والاشبه أنه إن أمكن استعمال الشبهين،، وإلا أُلحق بأشبههما به [3] ".

واختلف القائلون بحجته بماذا يعتبر الشبه، على أقوال:

الأول: يعتبر الشبه في الحكم. وهو مذهب الشافعية، وأكثر الحنابلة. مثاله: إلحاق العبد المقتول بسائر الأموال المملوكة في لزوم قيمته على القاتل، بجامع أن كل واحد منهما يباع ويشترى.

الثاني: يعتبر الشبه في الصورة دون الحكم وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد، كقياس الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة، وكقياس الحنفية في حرمة لحم الخيل على لحم الحمير، وقياسهم قتل الحر بالعبد. وعن أحمد قال بوجوب الجلوس في التشهد الأول، لأنه أحد الجلوسين في تشهد الصلاة، فوجب كالتشهد الأخير.

الثالث: اعتباره فيما غلب على الظن أنه مناط للحكم، بأن يظن أنه مستلزم لعلة الحكم. قال الرازي: " والحق: أنه متى حصلت المشابهة ـ فيما يظن أنه علة الحكم، أو مستلزم لما هو علة له: صح القياس ـ سواء كان ذلك في الصورة أو في الحكم " [4] .

الرابع: اعتبار قياس غلبة الأشباه دون غيره. قال الشافعي في الأم:" والقياس قياسان: أحدهما، يكون في مثل معنى الأصل، فذلك الذي لا يحل لأحد خلافه. ثم قياس أن يشبه الشيء بالشيء من الأصل، والشيء من الأصل غيره، فيشبه هذا بهذا الأصل، ويشبه غيره بالأصل غيره. قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: وموضع الصواب فيه عندنا ـ والله تعالى أعلم ـ أن ينظر، فأيهما كان أولى بشبهه صيره إليه. إن أشبه أحدهما في خصلتين والآخر في خصلة، ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين"اهـ [5] ."

والفرق بين المناسب والشبه أن صلاحية الشبه لما يترتب عليه من الأحكام لا يدركها العقل لو قدر عدم ورود الشرع، فاشتراط النية في الطهارة ولو لم يرد بها الشرع في التيمم لم يدركها العقل.

أما المناسب فإن صلاحيته لما يترتب عليه من الأحكام يدركها العقل لو لم يرد الشرع باعتبارها. فالعقل قبل تحريم الخمر يدرك أن تحريمها مناسب لصيانة العقول، فقد حرم قيس بن عاصم المنقري الخمر في جاهليته قبل الإسلام وذلك أنه سكر يومًا فعبث ببنات محرم منه فهربت منه، فلما أصبح قيل له في ذلك فقال:

رأيت الخمرَ منقصةً وفيها ... مقابحَ تفضحَ الرجلَ الكريما

فلا والله أشربها حياتي ... ولا أشفي بها أبدًا سقيما [6]

المسلك السابع: الدوران [7]

والدوران في اللغة مصدر دار دورانا إذا تحرك حركة دورية كالدولاب والرحا. ومنه دور العمامة ودور الخيل. [8]

وفي الاصطلاح: هو وجود الحكم مع وجود الوصف، وانعدام الحكم مع انعدام الوصف.

وسماه الآمدي وابن الحاجب"بالطرد والعكس"لكونه بمعناه، والطرد في الاصطلاح: الملازمة في الثبوت، والعكس: الملازمة في الانتفاء. ويسمى"بالجريان"ويسمى"بالسلب والوجود". قال

(1) البرهان (2/ 54) بتصرف

(2) انظر البحر المحيط (5/ 234) ، والإبهاج (3/ 69) ، وشرح الكوكب المنير (4/ 190) .

(3) المسودة (386) .

(4) المحصول (5/ 203) .

(5) الأم (7/ 156) .

(6) البداية والنهاية (8/ 31) ، ونثر الورود على مراقي السعود (2/ 511) .

(7) المستصفى (2/ 307) ، المحصول (5/ 207) ، الآمدي (3/ 331) ، الروضة (2/ 286) ، فواتح الرحموت (2/ 529) ،الإبهاج (3/ 72) ، شرح العضد (2/ 245) ، البحر المحيط (5/ 243) ، شفاء الغليل (266) ؛ تهذيب الأسنوي (3/ 107) ، إرشاد الفحول (2/ 200) ، شرح الكوكب المنير (4/ 191) ، نفائس الأصول (8/ 3339) ؛ نثر الورود على مراقي السعود (2/ 516) ، مذكرة أصول الفقه (260) ؛ الخلاف اللفظي عند الأصوليين (2/ 146) .

(8) انظر: لسان العرب (5/ 382) ، مختار القاموس (221)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت