القول الثاني: أنها المؤثر في الحكم بذاتها لا بجعل الله. وهو قول المعتزلة وهذا على بناء قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقلي. [1] فالعلة وصف ذاتي لا يوقف على جعل جاعل. [2]
القول الثالث: أنها الوصف الباعث على الحكم، أي مشتملة على حكمة صالحة تكون مقصودة للشارع في شرع الحكم. وهو قول الآمدي [3] وهذا بناء على تعليل أفعال الرب بالأغراض. [4]
القول الرابع: أنها الوصف المعرف للحكم بوضع الشارع. وهو اختيار الرازي و البيضاوي وهو أضهر الأقوال. قال صاحب المراقي في تعريف العلة:
معرّف الحكم بوضع الشارع ... والحكم ثابت بها فاتّبع [5]
فالوصف: هو المعنى القائم بالغير. وهو جنس.
والمعرف: معناه الذي جعل علامة للحكم. وهو فصل خرج به التأثير في الحكم، والباعث عليه. [6]
كالإسكار فإنه كان موجودًا في الخمر ولم يدل وجوده على تحريمها حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها. فالإسكار وصف معروف أي علامة على الحكم وهو التحريم الذي وضعه الشارع. [7]
وللعلة أسماء مختلفة، فهي تسمى: السبب، والإمارة، والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، والموجب، والمؤثر. [8]
(1) خلاصة التحسين والتقبيح عند المعتزلة: أن الحسن والقبح في الأشياء ذاتيان، وهي من مدارك العقول على الجملة، ولا يتوقف إدراكهما على السمع، فالأحكام تابعة لما أدركه العقل في ذلك الفعل. والشرع في تحسينه وتقبيحه للأشياء مخبر عنها لا مثبت لها والعقا مدرك لها لا منشئ ورتبوا على هذا أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرائع. وعندهم الحكم قديم والوصف حادث فيستحيل تعليله به. فالمعتزلة قدسوا العقل وقدموه على الشرع، وخالفوا بذلك مذهب الحق مذهب أهل السنة الذين جعلوا العقل شرط في وجوب عموم الأحكام، ولا تكليف قبل ورود الشرائع وبعث الأنبياء. انظر الكشاف للزمخشري (2/ 441) ؛الإرشاد للجويني (228) ؛ الملل والنحل للشهرستاني (1/ 55) ؛ تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني (292) ؛ الفتاوى لابن تيميه (8/ 248) ؛ القضاء والقدر للمحمود (173) منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير للرومي (1/ 44) .
(2) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (3/ 40) ؛ البحر المحيط للزركشي (5/ 112) .
(3) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (3/ 224) .
(4) قال السبكي ـ رحمه الله ـ:"وهو ضعيف لاستحالته في حق الله تعالى؛ لأن من فعل فعلًا لغرض فلا بد أن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله، وإلا لم يكن غرضًا، وإذا كان حصول الغرض أولى كان حصول تلك الأولوية متوقفًا على فعل ذلك الفعل، وكان حصول تلك الأولوية لله تعالى متوقفة على الغير فتكون ممكنة غير واجبة لذاته، ضرورة توقفها على الغير، فيكون كماله تعالى ممكنًا غير واجب لذاته وهو باطل.: ا. هـ. الإبهاج (3/ 40) وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:"وقائل هذا القول يرى أن كون أفعاله معللة يتضمن نقصًا؛ لأن الغرض كأنه تكميل لصاحب الغرض، والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن أفعال الله وتشريعه لم يخل شيء منها من حكمة بالغة لكن الحكَم المشتملة عليها علل الشرع مصالحها كلها راجعة إلى الخلق والله غني بذاته الغنى المطلق عن كل شيء، محتاج إليه كل شيء."ا. هـ. نثر الورود على مراقي السعود (2/ 462) "
(5) انظر: المحصول (5/ 134) ؛ الإبهاج شرح المنهاج (3/ 37) ، الروضة (2/ 229) ؛ تهذيب شرح الأسنوي (3/ 59) ؛ شرح الكوكب المنير (4/ 39) ؛ نثر الورود على مراقي السعود (2/ 461) .
(6) انظر تهذيب شرح الأسنوي (3/ 60) .
(7) انظر إرشاد الفحول (2/ 157) ، روظة الناظر (2/ 229) ، نثر الورود (2/ 461) ، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (66) .
(8) ناظر: شفاء الغليل (20) ؛ البحر المحيط (5/ 115) .