فهرس الكتاب
2-التصادم الذي حدث بين رجال الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى وبين بعض علماء المادة لم يكن صراعا يشمل عداء لكل أنواع العلم المادي بل لأجزاء منه ظن رجال الكنيسة أنها تتعارض مع العقائد المسيحية بدليل أنه كان في أوروبا تقدم في مجال البناء والزراعة والأسلحة، ولا زلنا نشاهد مباني راقية في كثير من الكنائس المبنية منذ أكثر من ألف سنة، فالكنيسة لم تكن ضد العلم المادي بل ضد أجزاء صغيرة منه ولكن العلمانية نجحت في إقناع الناس بأن رجال الكنيسة ضد العلم، وضد التقدم، وضد العقل... الخ وقد يكون الناس استجابوا لذلك ليس تصديقًا لما يقول العلمانيون بل رغبة منهم في رفع ظلم رجال الكنيسة والإقطاع عنهم أي أن المسألة ليست ذات علاقة كبيرة بموقف الكنيسة النظري من العلم المادي، بل ذات علاقة بواقع التطبيق العملي في أوروبا، وتشجيع العلمانيين على العلم المادي، وتقدير علمائه كان محاولة لإيجاد عقيدة ومبادئ ينطلق منها العلمانيون في صراعهم مع الكنيسة، والطريف أن العلمانية ليست قائمة أصلًا على العلم المادي حتى ولو ادعت ذلك، فهي قائمة على عقائد واقتناعات الفلاسفة فيما يتعلق بالعقائد والاقتناعات والأحكام في حين العلم المادي يتعلق بالطب والهندسة والزراعة والفلك.
3-عاشت العلمانية عدة قرون بدون أن تشهد ثورات علمية، فبقى العلم المادي نشاطًا فرديًا، ولكن لا شك في أن العلمانية ساهمت في إعطاء علماء المادة مزيدًا من الاحترام والتقدير، ولم تضع حدودا لآرائهم وتقدمهم وهذا الفضل يحسب لها، ولكن كما وضحت لا يعني هذا أن علماء المادة كانوا مختنقين قبل ذلك. والذي حدث وأدى إلى بعض التغيرات العلمية الكبيرة هو تنافس الدول الأوربية الاستعمارية فيما بينها على احتلال أكبر مساحات ممكنة في آسيا وأفريقيا مما شجع صناعة السفن وعلم الفلك، وتطوير الأسلحة، فالعلم المادي دخل ساحة الصراع السياسي والعسكري ولم يعد يهم علماء المادة وحدهم.