فهرس الكتاب
(2) "عقلك يخدعك": قد يكون غريبا أن أحذرك من عقلك، لأن العقل المجرد قد يرى القبيح جميلا، والجميل قبيحا، فهو كالعين التي ترى السراب فتظنه ماء، فلا تنظر إلى السطح الخارجي للعقائد والمبادئ، فكثير منها جميل وجذاب وخادع، فهذه تدافع عن العمال والفقراء والمستضعفين (كالشيوعية) ، وهذه مبادئ تدافع عن الحرية والقطاع الخاص (كالرأسمالية) ، وهذه مبادئ تدافع عن الروح، والنفس، وهكذا والعكس صحيح، فهذه تتهم بالاستبداد، وأخرى بالطبقية، وثالثة، ورابعة بالمادية ....الخ وعقول البشر المخلصين توزعت بين هذه المبادئ وغيرها، فما يراه هؤلاء جميلا وحقا يراه آخرون قبيحا وباطلا، وضياع العقل البشري منتشر إلى درجة كبيرة لأسباب منها أن المفاضلة بين العقائد والمبادئ المختلفة محاولة فيها كثير من الصعوبة لاختلاف المعايير التي يستخدمها البشر، ولقدرة العقل البشري على مدح وذم كثير من العقائد والأحكام والأخلاق، فحتى الخمر تجد من يمدحها ويجعلها علاجا للهموم والمشاكل ونجد أيضا من يذم الصلاة ويعتبرها ضياعا للوقت، أو علامة على التخلف والسطحية، وبالتالي فالعقول المخلصة لن تحسم اختلافاتها إذا عملت مقارنات بين مبادئنا ومبادئكم، أي أن المقارنة مثلا بين الإسلام والعلمانية في العقائد والشرائع لن تكون حاسمة، وسيكون مجال الجدل واسعا ومستمرا أما طريق الحسم فهو أن نسأل ماهية الأدلة العقلية على صواب هذه المبادئ أو تلك؟ قال ابن تيمية:"إن مئات الآلاف من النفي لا يقوم مقام إثبات واحد" (1) .