الصفحة 111 من 195

فهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يرحل من المدينة إلى مصر ليسأل عقبة بن عامر عن حديث سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم -فلما قدم قال له: حدِّثْنا ما سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في ستر المسلم ، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك ، فلما حدَّثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائدًا إلى المدينة ، وما حلَّ رحله .

وهذا جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه بلغه حديثٌ عن صحابي بالشام سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فاستعظم أن يفوته شيء من حديث رسول الله ، فاشترى بعيرا وشد عليه رحله ، وسافر مسيرة شهر حتى قدم الشام ، فإذا هو عبد الله بن أنيس فقال له:"حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في القصاص ، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه ، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يقول: ( يُحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد -عراة غرلا بُهْما ) وذكر الحديث"

ومن بعد الصحابة سار التابعون على هذا المنوال فكان أحدهم يخرج من بلده لا يُخْرجه إلا حديث عن صحابي يريد أن يسمعه منه مباشرة بدون واسطة ، يقول أبو العالية:"كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فلا نرضى حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم".

فهل بعد هذا كله يقال إن الأسانيد لم تجد أدنى اعتناء ، وأنها كانت أمرًا اعتباطيًا بحيث يتسنى لمن شاء أن يختلق إسنادًا وينسبه إلى من يريد لينصر مذهبه أو طائفته أو حزبه -كما يقول المستشرقون وأذنابهم -من غير أن يميز ذلك أئمة هذا الشأن الذين خصهم الله لحفظ دينه وحراسة سنة نبيه ، سبحانك هذا بهتان عظيم [1] .

الزكاة لا أصل لها تاريخيًا في أصول المفردات العربية

(1) انظر: محمد بهاء الدين ، المستشرقون والحديث النبوي ، محمد مصطفى الأعظمي دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ، أكرم ضياء العمري بحوث في تاريخ السنة المشرفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت