فهرس الكتاب
ولقد صبر موسى - عليه السلام - عليهم صبرا عجيبًا، وعانى من عتوهم وعصيانهم معاناة لا يطيقها إلا أولو العزم من الرسل، ولقد حدثنا القرآن ببعض صور عتوّهم ونفورهم وعنادهم واستكبارهم أمام كل نعمة ينعمها الله عليهم، وبعد كل فرح يهبه الله لهم، نجد أنه في الوقت الذي كان موسى يبذل جهودًا جبارة لإنقاذهم من فرعون وملئه وكان بأمسّ الحاجة إلى طاعتهم وانقيادهم وصبرهم يقولون لموسى كلامًا يصرع الألباب: (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) (لأعراف: من الآية129) .
أي أننا لم نجد في رسالتك خيرًا، فعدمها ووجودها سواء، وجاء الفرج وأنقذهم الله من فرعون بمعجزة من المعجزات الإلهية الكبرى، وأهلك عدوهم فرعون وجنده، فماذا كانت النتيجة. (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) (الأعراف: من الآية138) . سبحانك ربي ما أحلمك. هل انتهوا عند هذا الحدّ من الطغيان ونكران الجميل؟ لا: فما مرّ وقت يسير على ذهاب موسى لميقات ربه على الجبل ليتلقى الألواح حتى أضلهم السامري (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (طه:88) .
ولم يكتفوا بجعله إلهًا لهم بل أشركوا موسى - حاشاه - معهم في شركهم، وليس ذلك فحسب، بل اتهموا موسى بالضلالة والجهالة والنسيان (فنسي) أن هذا إلهه [1] .
وانتهت هذه القضية - المؤلمة - ولكنهم لم ينتهوا - فقد منحهم الله المنّ والسلوى وهم في الصحراء، وهذا من أعظم النعم، فماذا حدث هل شكروا؟ لا، وإنما قالوا: (يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) (البقرة: من الآية61) .
(1) - انظر تفسير الطبري 11/236.