فهرس الكتاب
وما أجهل الإنسان وأغباه، عندما لا يعلم أنّ هذه الدنيا قلّب بأهلها.! فبين عشيّة وضحاها حلّ المرض بجسد الظالم من حيث لا يحتسب، وطرح في الفراش يئنّ، ذلك الجسد الذي كان يزأر على الناس، ويهدر، ويرعب العمّال، ويجعل الوجوه عندما تراه تكفهرّ ..
وكان أوّل العبر أن أرسل أبو سليمان يطلب تكاليف التداوي والنوم في المستشفى، فجاءه أحد الموظّفين ليقول له: إنّ الرئيس قد أمر بصرف مئة ريال لك بدل التداوي .. فقال: وما تفعل معي مئة ريال.؟ لقد صرفت حتّى الآن أكثر من ثلاثة آلاف ريال.؟! فقال له: هذا ما تستحقّ حسب النظام.! وكانت تلك كلمته التي يناطح الناس بها في كلّ مناسبة.! بل وقبل أيّام من مرضه .. قالها لهذا الموظّف نفسه، عندما طلب منه تكاليف العلاج لوالدته.! فقال له الموظّف اليوم: يا أستاذ! كما تكيل تكتال.!
وجمع بعض المقرّبين منه العمّال وقال لهم: إنّ حقًّا علينا أن نزور أبا سليمان فقد نقل إلى المستشفى، وهو في حالة مرضيّة ونفسيّة صعبة، وزيارة المريض فيها أجر عظيم.! فوجم القوم ولم يتكلّم أحد! ومضت أيّام ولم يزره أحد.! وعاد صاحبه يذكّر الناس بزيارته، وأخذ يستعطفهم بكلماته، فتجرّأ بعض العمّال وقال له: يا فلان! إنّ أبا سليمان لم يترك لنفسه صاحبًا، وليس من عادة الناس أن يزوروا من لا يحبّون.!