فهرس الكتاب
تقول لكَ كلّ يوم لوْ عقلت: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) } مريم.
عرف الحياةَ أبو حطّاب لَهوًا ولعبًا، وضحكًا وهزلًا، وامتدّ به افتتانُ الناس وإعجابهم، وتزلّفهم ونفاقهم، ليتجرّأ أكثر على الظلم والإثم، فوجد في الناس من يقول له في كلّ موقف:"أحسنت وأصبت.! ونعْمَ ما فعلْتَ!"فتمادى في الطغْيان والشرّ، وحسب أنّ الزيف يغني عن النصح، وأنّ الباطل يضارع الحقّ .. واستمرّت به الحياة على هذه الصورة، حتّى لم يعد في نفسه ما يستنكر منها، فرأى المعروفَ منكرًا، والمنكرَ معروفًا، وظنّ الناس كلّهم على صورة ما هو عليه، فساء ظنّه بكلّ الناس كما ساءت أفعاله، وأضمر الشرّ لهم وأراده، لأنّهم لا يستحقّون في نظره سواه .. وتقلّبت به الأيّام وهو يستَمرئ الإثم والبغي، ويرى أنّه عملةٌ صعبة، وبضاعةٌ رائجة، لا يحسن التعامل بهما كلّ إنسان .. وبنى لنفسه من وراء ذلك عزًّا من الأوهام، وجبالًا من السراب كالسحاب .. وجمع حوله من رعاع الناس المنتفعين ما زاده عتوًّا وغرورًا .. فهو الآمر لهم الناهي، السيّد المطاع .. والآخرون يأتون رغبًا ورهبًا، وعلى أسوأ احتمال بالدرهم والدينار .. ولكنّ القدرَ كان له بالمرصاد .. لقد تمادى به البغي حتّى قرّر التجارة بأنواع