وإذا تقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب , فإن غضبه لم يكن يتجاوز الحق والصدق والعدل, فلم يكن يعاقب إلا على قدر الجناية , ولم يكن يخرجه الغضب عن الحق والصدق والمعروف , ومما يؤيد ذلك أن عبدالله بن عمر قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه , فنهتني قريش , وقالوا: أتكتب كل شيء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب , فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: (اكتب , فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) (1) . وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا, فقال رجل: أن هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله, فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فحمرّ وجهه وقال: (رحمة الله على موسى, لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) (2)
وهكذا كان هدي نبينا صلى الله عليه وسلم في غضبه, يتجرع كؤوس الصبر على الأذى , ولا ينتقم لنفسه , ولا يتأثر لذاته . أما إذا تعلق الأمر بالله عز وجل ودينه وشرائعه , فكان يغضب لله عز وجل .
المبحث الثاني: شواهد من غضب النبي صلى الله عليه وسلم
الشواهد والمواقف على غضب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في حقوق الله كثيره وأسرد بعض هذى المواقف من سيرته صلى الله عليه وسلم لما فيها من العبر والفوائد العظيمة والمنجية بأذن الله من عواقب الغضب في غير الله .
(1) أخرجه البخاري, باب ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه؛برقم (2981) , ومسلم باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه برقم (1062) .