الصفحة 66 من 80

الفصل الخامس

الحركات الإسلامية العاملة في الساحة

اندفع المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد الدولة الأموية وسنوات من الدولة العباسية، ينشرون الإسلام ويطاردون الشيطان وينيرون الدنيا بنور الله ويطاردون الظلم والظلام، حملوا الإسلام بلغته اللغة العربية، فآمنت شعوب الأرض وسرعان ما أندمجت في هذا الدين وأصبحت من أهله فتعمقت فيه وفهمته حتى كاد أن يكون جل علماء التابعين وتابعيهم الذين أثروا هذا الدين بعقولهم وفهمهم لكتاب الله وسنة رسوله من غير العرق العربي، لكنهم أصبحوا بإسلامهم وتكلمهم للعربية أصبحوا من العرب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ليست العربية بأب أحدكم أو أمه إنما العربية اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي". ولذلك فإن الإسلام لا يدانيه أحد في التعصب للعربية والعروبة بمعناها (الثقافي والحضاري) وهو لا يفهم إلا بها وهي أشرف اللغات وكما جاء في الحديث النبوي الشريف:"أحب العرب لثلاث: لأني عربي، ولأن القرآن عربي ولأن لغة أهل الجنة العربية".

فالإسلام يرفض العروبة بمعناها الجاهلي (وهي التعصب للجنس) ، فيرفض التعصب للجنس العربي، وللجنس (الآري الأوروبي) ، وللجنس السامي وللجنس الحامي، فالإسلام يحارب الشعوبية بكل معانيها. ولما بدأت ما يسمونه بالنهضة العربية الحديثة والتي حاولت أن تنهض بالأمة بالقومية المجردة عن الإسلام فلم تنجح هذه المحاولة، ففشلت ببلاد العرب، وفشلت المحاولة ذاتها كذلك عند الأتراك (الطورانيين) وكذلك عند الفرس (الكسرويين) .

ويذكر الناس الإحتفال الكبير الذي أقامه شاه إيران (محمد رضا بهلوي) بمناسبة مرور أربعة ألاف سنة على كورش -أول كسرى في التاريخ- ودعا إليه زعماء وأثرياء العالم، وقد ألبس الحرس لباس جند كورش، ووقف في الإحتفال متحديا لله وخاطب كورش بقوله:"لقد أحييتك ولن تموت بعد اليوم".. وكان الله له بالمرصاد، فخرج على وجهه هائما ومات طريدا شريدا يلعنه الله والملائكة والمسلمون أجمعون.

وكذلك فشلت الأحزاب التي نادت بالعروبة بمعناها العرقي سواء التقليدين منها أو الثوريين فتمزقت الأمة في عهدهم وفي ظل شعاراتهم، ولا يزالون يعملون في الأمة تجزئة وتقطيعا ويمزقونها مزقا مبعثرة.

فالإسلام روحه العروبة ووعاؤه العربية، ولذلك فإنه يرفض التعصب للعربية دون الإسلام وبالتالي يرفض العصبية للإسلام دون العربية.

فلما أستولى على الحكم في بلاد المسلمين الأعاجم الذين لا يتكلمون العربية، بدأ الفكر يجمد، فأغلق باب الإجتهاد ظلما وعدوانا وتعصب العلماء للمذاهب التي نشأت في بلاد المسلمين، وأخذوا يشرحون أقوال الفقهاء بدلا من أن يشرحوا كتاب الله وسنة رسوله، ويجمد الفكر الإسلامي على المذاهب الأربعة عند أهل السنة، والمذهب الأباضي عند الخوارج، والجعفرية والزيدية عند الشيعة الغير الغلاة، أما الغلاة فقد خرجوا من هذا الدين ولم يعودوا مسلمين.

وانتكست الأمة وكان لا بد أن تنتكس، فحكمها حكام ظلمة يسودهم الجهل، وأصابهم العمى فلم يعودوا يرون بنور الله، وجاءت الحروب الصليبية، فجاءتنا أوروبا بخيلها ورجلها، واستمرت الحرب بيننا وبينهم مائتي عام وسقطت القدس بأيديهم تسعين سنة أو ما يقرب من ذلك، وكان سقوط القدس إيذانا بصحوة إسلامية جديدة في ذلك الحين (كما أن الصحوة الإسلامية الآن لم تتفجر إلا بعد سقوط القدس في أيدي الكفار) .

وكان لا بد لأوروبا أن تنهزم، لأن المسلمين عادوا يقاتلون بعقيدتهم ومن قاتل بعقيدة الإسلام فلن يهزم، لأنه بقتاله بعقيدة الإسلام نصر الله .. والله ينصر من ينصره (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم) [محمد: 7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت