الصفحة 67 من 80

وبعد هزيمة أوروبا، ركن المسلمون إلى الجمود الفكري مرة أخرى، وأخذوا يبحثون في أقوال الفقهاء، وينشأون الشروح والحواشي، وحواشي الحواشي. وأخذ الإسلام يعمل وحده بغير لغته، حملته تركيا المسلمة إلى أوروبا ففتحت القسطنطينية وأنطلقت عبر أوروبا حتى أخذت البلقان كله، ووقفت على أبواب فيينا، ومرة أخرى حكم المسلمين حكام جهلة بغير اللغة العربية، وبذلك هم لم يفقهوا الإسلام، لأن الإسلام لا يفقه ولا يفهم إلا بلغته (حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) [فصلت: 1 - 3] .. وأيضا قوله تعالى (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) [فصلت: 44] .

الحركات الإصلاحية

أولا: الحركات الصوفية

وفي خلال هذا المد والجزر، نشأت حركات وفلسفات، حركات اصلاحية تريد أن ترجع بالإسلام إلى صفائه المتمثل بالكتاب والسنة الصحيحة. ونشأت حركات صوفية منها المعتدل، الذي يرى في الصوفية أنها الزهد والذكر وقيام الليل وتلاوة القرآن والابتعاد عن المحارم والابتعاد عن الترف، بالإضافة إلى الصلاة المفروضة والمسنونة والصوم والزكاة والحج والرباط في سبيل الله، وهذا الأمر هو لب الإسلام، ونشأت حركات أخرى فلسفت الصوفية بعد أن اقتبست فكرها من الفلسفة الهندية والفارسية والإغريقية والنصرانية واليهودية. وخصوصا بعد أن شجع الخليفة المأمون ترجمة هذه الفلسفات وكان يعطي المترجم وزن الكتاب المترجم ذهبا، فأختلط الأمر على كثير من الصوفية وأتباعهم حتى وصل الأمر بالقول (بوحدة الوجود وأن الله هو هذا الكون بما فيه ومن فيه) ، وكان يمثل هذه الفئة أبي منصور الحلاج الذي كان يقول ليس في الجنة إلا الله -والعياذ بالله - فأفتى العلماء بقتله ردة، فقتلته الدولة العباسية وقال لأتباعه وهو يساق إلى القتل سأرجع لكم بعد ثلاثين يوما (وهو حتى الآن لم يرجع) لأنه في قبره يرى منزلته من النار صباح مساء بإذن الله.

وسار على طريقه ومنهجه الفكري إبن عربي الذي ألف كتابا في مذهبه هذا (فصوص الحكم) ، و (الفتوحات المكية) والتي يقول فيها عن نفسه إنه خاتم الأولياء، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء - والعياذ بالله - أغواه الشيطان فضل وأضل، ويقول خضنا بحرا وقفت الأنبياء على شواطئه ما أستطاعت أن تخوضه، ولا زال فكره الشيطاني يعمل في كثير من الطرق الصوفية.

وفي زمن ظهور ابن عربي، ظهرت الحركة المضادة لفكره وفكر الحلاج، الحركة السلفية التي تدعوا إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح، ظهر ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فصدوا هذه الهجمة عن الإسلام التي كانت تهدف إلى القضاء عليه. فجاهد بقلمه وبسيفه، أما قلمه فقد حارب فيه الصوفية المنحرفة والغلاة والدهريين من الفلاسفة والحركات الباطنية جميعا. كما بين الرأي الصحيح في دين المسيح، وأما سيفه فقد حارب به التتر ودخل في صراع مع الصوفية فدسوا عليه عند الحكام، فحبسوه في الإسكندرية، ثم حبسوه في دمشق ومات في السجن -رحمه الله- بعد أن أثرى المكتبة الإسلامية بكتب كثيرة وأهمها فتاوي ابن تيمية، وأستمرت المعركة بين الصوفية والسلفية منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، إلى أن جاءت الصحوة الإسلامية أخيرا، وهذه الصحوة جذورها ممتدة من القرن الثامن والتاسع عشر، ممثلة بالحركات الصوفية الجهادية المتمثلة بالحركة السنوسية في الجزائر وليبيا، وكان تأثيرها على المغرب العربي كله، والتي أفرزت أبطالا تاريخيين وعلى رأسهم إمام المجاهدين عمر المختار - رحمه الله - الذي قاوم إيطاليا عشرين سنة ولم تستقر إيطاليا في حكم ليبيا إلا بعد استشهاده، وهي حركة كانت تعتمد على تعليم القرآن الكريم وإنشاء الزوايا لهذا الغرض. وكذلك حركة المهدي في السودان والذي استطاع أن يهزم بريطانيا في السودان، ولم تتغلب عليه بريطانيا إلا بعد أن استعانت بالجيش المصري في هذا الأمر، ولكن ابناء المهدي من بعده انحرفوا عن طريقه. وبرز أيضا جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده اللذان أثرا في فكر الأمة، واللذان قيل حولهما الكثير وخصوصا ما نسب إليهما أنهما دخلا في المحفل الماسوني في الإسكندرية - والله أعلم بالحقيقة - .. وكانا يريدان بعد أن يئسا من الأمة أو الحكام أو منهما جميعا، فشطح بهما الخيال بأن يختارا جزيرة في إحدى البحار ويأتوا بعدد من أبناء المسلمين في هذه الجزيرة يربونهم على أيديهم فيتخرجون دعاة، لكنها فكرة لا تقبل الحياة فماتت في مهدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت