فهرس الكتاب
ثانيا: حركة الإخوان المسلمين
وجاء بعد ذلك المرحوم (حسن البنا) والذي إستطاع بما أوتي من الخطابة والتأثير على الجماهير أن يجلب كثيرا من شباب مصر الإسلام، ثم إمتد إلى العالم العربي والإسلامي فكانت حركة الإخوان المسلمين، التي كان لها الفضل الكبير في إيقاظ الشعور بضرورة عودة الإسلام إلى الحياة، وكانت قضية فلسطين وقيام دولة يهود قد برزت في هذا الوقت، فجند حسن البنا - رحمه الله - شبابا مسلما للدفاع عن فلسطين وأبدى هذا الشباب كثيرا من الشجاعة والفروسية، فتنبه الغرب الكافر لهذا الأمر فخافوا أن يستفحل فكر الجهاد، فقتلوا حسن البنا - رحمه الله - فذهب شهيدا إلى ربه بإذن الله، فخلف وراءه حركة ضخمة ممتدة في العالم كله، فقرر الكفر الصليبي أمريكا ويهود القضاء على حركة الإخوان، فجاءت بحركة الضباط الأحرار وعلى رأسها جمال عبد الناصر للقيام بهذه المهمة، وكان الغرب ماهرا في اللعب، فجعل عبد الناصر يتحالف مع الإخوان في بادىء الأمر حتى إذا ثبتوا له سلطانه، وكانت قيادتهم على غفلة كبيرة فلم يعرفوا عبد الناصر على حقيقته ومن وراءه وكان أي إنسان عنده إلمام في السياسة ولو بسيط يعلم أن عبد الناصر كان عميلا أمريكيا. وكنا نقدم لهم النصائح ونبين لهم ذلك الأمر ولكن شباب الإخوان وأغلب الظن قيادتهم كانت تظن أن حركة الضباط هي حركة إخوانية.
وشنق عبد الناصر علماء الأخوان سنة 1954 بحجة أنهم كانوا يتآمرون عليه، ثم شنق سيد قطب - رحمه الله - في صفقة مع الإتحاد السوفياتي وكان وقتها هناك (جمال عبد الناصر) بعد أن ألف المرحوم سيد قطب كتابه (معالم في الطريق) وهذا الكتاب يمثل انقلابا فكريا في طريق الدعوة عند الإخوان المسلمين، وهذا الكتاب أقرب ما يكون إلى فكر حزب التحرير، فهو كتاب انقلابي وليس إصلاحيا. والذي كان يمثل فكر هذا الكتاب فيما بعد هو المرحوم عبدالله عزام وإخوانه من المجاهدين. ولذلك جمد الأخوان المسلمون الدكتور عبدالله عزام لأنه سبب إحراجا كبيرا لقيادة الأخوان مع كثير من الأنظمة والحكام، وقد قلت في حفل تأبينه يوم إستشهاده -رحمه الله- (أحرجوه فأخرجوه) . وبالرغم من شنق المرحوم سيد قطب واخوانه السابقين واللاحقين فإن حركة الأخوان بقيت لأن معينها الفكري لا ينفد وهو الإسلام لأنه باق ما بقيت الدنيا. وأما عبد الناصر فذهب وذهب ميثاقه وأندثر فكره إن كان له فكر فهو أفشل زعيم عرفه التاريخ.
وحركة الإخوان يبدوا من ظاهرها أنها ليست حركة إنقلابية وإنما هي حركة إصلاحية، فالبرغم من المؤلفات الكثيرة في النواحي الفكرية وفقه المعاملات في هذا العصر فإن حركة الإخوان لم تتبن حتى الآن دستورا تنظم به شؤون الدولة إذا ما فوجئت بإستلام الحكم في إحدى البلاد العربية أو الإسلامية. كيف تعمل في الإقتصاد؟ في الإجتماع؟ في العلاقات الدولية وفي كل مناح الحياة. ما هو البديل للبنوك الربوية؟ وما وهو البديل لشركات التأمين؟ وما هو البديل لأوراق البنكنوت (التي أوجدها يهود لتخريب إقتصاد العالم) ؟ كيف يمكن إستغلال التلفاز والإذاعة والسينما؟ كيف نوحد العرب والمسلمين؟ .. إلى غير ذلك.
الرعيل الأول من الأخوان المسلمين أكرم الله قسما كبيرا منهم بالشهادة وبقي قسم آخر وقد أتعبهم المشوار وأرجو الله أن لا يكونوا من الذين ركنوا إلى الحياة الدنيا والظالمين من الحكام. ولذلك تمرد شباب الأخوان في كثير من البلدان العربية والإسلامية على قياداتهم التقليدية فكانت ثورة في مصر - نرجو الله أن تؤتي أكلها قريبا - فيطيح هذا الشباب بالنظام المهترىء الذي باع مصر ليهود والأمريكان، وأن يكون هذا الشباب قد حضر فكرا لتنظيم شؤون الدولة أو يقوم بذلك علماء الأخوان المسلمين وهم بحمد الله كثر وفيهم من أنار الله قلبه وعقله ولم تلحقه الغشاوة.
وقبل ذلك وبعد ذلك فإن الأخوان المسلمين حركة رائدة في العمل الإسلامي، هي المؤهلة إن أراد قادتها أن يستأنفوا حمل الرسالة وقيادة الحركة الإسلامية للتغيير في العالم العربي والإسلامي، ولا يكونون كبعض من ينتسبون للأخوان المسلمين فيكونون عونا للظلمة من الحكام كما حدث ذلك في الجزائر مثلا أو كما حدث ويحدث في الخليج. إن حركة الاخوان تملك إمكانات فكرية وعددية وشبابا مستشهدا لا تلين له قناة وأوضح مثال على ذلك شباب حماس في فلسطين الذين يقدمون الشهداء تلو الشهداء، باعوا أنفسهم في سبيل الله، ومن رحمة الله بالقضية الفلسطينية أن قامت (حركة المقاومة الإسلامية) استجابة لأمر الله في الجهاد وطلب الشهادة.
لا أدعو أن يتولى الأخوان المسلمون قيادة الحركة الإسلامية بشكل عاطفي غير مدروس، ولكن بتغيير كثير من السلوكيات والعلاقات وخصوصا مع بعض الأنظمة، وأن ينظروا إلى بقية الحركات الإسلامية ليس بعين عدائية