فهرس الكتاب
أسلوب الدعوة
وإني إذ أتقدم إلى الحركات الإسلامية العاملة في الدعوة إلى الله وإقامة حكم الله في الأرض، أوجه لهم نصيحة وأبدأها بنفسي أن تكون الدعوة إلى الله بين الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، والحكمة أن نضع الحكم الشرعي في موضعه فلا نرفع السنة المندوبة إلى مرتبة الواجب أو الفرض، فالله قد شرع أحكاما وحد حدودا فهو الذي شرع السنة (النافلة) شرعها بأن يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وشرع الفرض بأن يثاب فاعله ويعاقب تاركه. ولذلك لما جاء الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن أركان الإسلام فقال له:"أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال:"هل علي غيرها؟"، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا إلا أن تتطوع، وصوم شهر رمضان"، فقال الأعرابي:"وهل علي غيره؟"، قال رسول الله:"لا إلا أن تتطوع وإيتاء الزكاة"، قال الأعرابي:"وهل علي غيرها؟"، فقال الرسول:"لا إلا أن تتطوع"، فقال الأعرابي:"والله لا أزيد على هذا أو أنقص"فقال الرسول:"أفلح الأعرابي إن صدق"أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
ولذلك لا يصح للدعوة الإسلامية أن تشغل نفسها بالتشدد في الدعوة إلى النوافل وأن تترك الفروض والواجبات، وأخص بالذكر سلفي الجزائر وأعني"جبهة الإنقاذ الإسلامية"، وهم على أبواب إستلام الحكم بإذن الله، فيجب أن يأخذوا الشعب الجزائري بالرفق والمحبة والموعظة الحسنة وأن لا يلوحوا بالعصا الغليظة، وأن يكونوا في لين مع المسلمين لا إرهاب ولا تخويف والله يقول لنبيه (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فأعف عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159] .
والعفو لا يكون إلا مع الخطأ فإذا لم يكن هناك خطأ فلا معنى للعفو، والإستغفار يكون للخطيئة وإذا لم تكن هناك خطيئة لم يكن هناك معنى للإستغفار ويكون ذلك إذا لم تكن هناك إشهار بالمعصية وتحد لله، فعند ذلك يأتي قول عثمان - رضي الله عنه - إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والآن الإقبال من الرجال والنساء على الله يشكل التيار الأكبر في المجتمع، ولا يصح أن نأمر المرأة أن تضع الحجاب على وجهها وخصوصا أن الصحوة الإسلامية ستشمل الأرض، فإذا قلنا للمرأة في الغرب ضعي الغطاء على وجهك وهي لم تعرف هذا ولا هي ولا أمها ولا جدتها خصوصا وأن المرأة في الغرب قد خرجت من جميع ملابسها، فإذا أرغمناها على تغطية الوجه أبعدناها عن هذا الدين والهداية وبذلك نكون قد إرتكبنا إثما، ويجب أن لا تخاف المرأة المسلمة الآن من الإسلام القادم للحكم، فإن الإسلام يعطيها الحياة الكريمة والطهارة النقية، ولذلك بدأت النسوة يشعرن بحلاوة الإسلام وطهارته، وشعرت أنه يجعل من إسرتها أسرة متراحمة متعاطفة مترابطة لا مكان للنجاسة فيها .. ولذلك الآن الإقبال من النساء المثقفات على الحجاب كبير في جميع شرائح المجتمع فمنهن أستاذات الجامعات ومفكرات حتى وصل الأمر إلى الفنانات، فتبن عما أرتكبن وأقبلن على الله وصدق فيهن قوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) [النساء: 17] .
ولذلك مهمة الدعاة والحركات الإسلامية أن لا تنفر النساء ولا الرجال وأن تبشر. وإني أتوجه إلى الثورة الإسلامية في مصر بالذي قلت وبشيء آخر وهو ألا يتعرضوا للأقباط بسوء، لأن الأقباط من أهل الذمة وقد أوصى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:"إذا فتحت عليكم مصر فأستوصوا بأقباطها خيرا فإن لكم فيهم نسبا وصهرا"، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا:"من عادى ذميا فقد عاداني ومن عادى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة"أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فنحن مكلفون بأن نحمي أهل الذمة أعراضهم ودماءهم وأموالهم، ومن قتل منا دون ذلك فهو شهيد إلا أن تثبت على هذا الذمي أو القبطي خيانة للعهد وموالاه لأعداء الأمة، فإنه يجري عليه عندئذ الحكم الذي يجري على المسلم إذا فعل ذلك.
فلا يصح لنا كدعاة أن نتصور المجتمع مجتمع ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فخير المجتمعات عبر التاريخ مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع هذا كان فيه المخطئون والآثمون لأن هذا من طبيعة البشر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه أبو بكر -رضي الله عنه-:"إن لم تخطئوا وتتوبوا يذهب الله بكم ويأتي بقوم يخطئون ويتوبون"، وفي حديث آخر:"كل أبن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"..