فهرس الكتاب
الفصل السادس
الهجرة من الأرض المباركة
خرج علينا أحد العلماء ممن لهم تأثير في كثير من الناس ويحمل أقواله تلاميذ منتشرون في العالم العربي والإسلامي، خرج علينا بفتوى:"أن أهل فلسطين يجب عليهم أن يهاجروا، ولا يبقوا تحت حكم يهود، وأن هذا واجب شرعي".
وقد أحدثت الفتوى ضجة كبيرة عند المسلمين، وهذه الفتوى تخالف الشرع إذ أن الإسلام في مثل حالة فلسطين يحرم الهجرة وإليكم البيان:
-أولا: أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة بعد أن استعصت مكة فلم تعد تسمع الخير ولا تلين منها القلوب للإيمان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرتين في خلال ثلاث عشر سنة التي قام بها في الدعوة بمكة رحمة بأصحابه، وإنقاذا لهم من التعذيب، لأن أكثر الذين أسلموا في مكة في بدء الدعوة كانوا من العبيد والمستضعفين والذين لا سند لهم ولا قوة عشائرية تحميهم، وكذلك أسلم قليل من السادة. فلما أذن الله لنبيه بالهجرة وكان ذلك قبل فرض الجهاد، نزل عليه وهو في الطريق بين مكة والمدينة قول الله تعالى (أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) [الحج: 39 - 40] ..
فكان ذلك إيذانا بالجهاد وبدء المعركة بين الكفر والإيمان، بين الرسول وأصحابه من جانب وبين المشركين والكفار من جانب آخر. وهذه المعركة لم تنقطع من ذلك الحين حتى يومنا هذا، فهي مستمرة في فلسطين والبوسنة والهرسك وفي كشمير والهند وفي الفلبين وتايلاند وفي السودان وفي الجزائر وفي مصر وفي لبنان وفي الجزيرة العربية في السعودية وحارات الخليج وهي الآن في اليمن وفي غيرها.
-ثانيا: نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم الأذن بالهجرة وحرمت القعود تحت راية الكفار والرضوخ لهم، وأن يعيشوا مستضعفين وأن الذي يموت على هذه الحالة مآواه جهنم وبئس المصير، في قوله تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مآواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) [النساء: 97 - 99] .. ولقد خصص الحديث الصحيح هذه الآية حينما سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم:"أين نهاجر؟"، فقال صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح -فتح مكة- ولكن جهاد ونية، وإذا أستنفرتم فأنفروا".
ولقد فرض الله الجهاد على النبي والمسلمين في حياته ومن بعده، ولو لم يبق من المسلمين إلا الرسول صلى الله عليه وسلم أو مسلم واحد في الأرض لقوله سبحانه وتعالى (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا) [النساء: 84] .
-ثالثا: في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الجهاد ماض إلى يوم القيامة لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر وإذا إستنفرتم فأنفروا". فنحن مكلفون بنص هذا الحديث أن نقاتل وراء كل حاكم من حكام المسلمين سواء كان عادلا أو ظالما، فلا يشترط في المعركة عدل الحاكم.
-رابعا: المعركة بيننا وبين يهود ليست معركة استعمارية، ولكنها معركة بقاء أو عدمه وهي تهدف إلى إخراج المسلمين من الأرض المباركة وإستيطان يهود محلهم، وأي خروج للمسلمين من الأرض المباركة برضاهم هو خدمة للكفار ومن يدعو إليه يخدم يهود بعلم أو بغير علم.