وهذه الآية مدنية وفيها تحريم صريح ولكنه تحريم جزئي لا كلي؛ لأنه تحريم لنوع من أنواع الربا الذي يسمى الربا الفاحش وهو الربا الذي بلغ من الشناعة والقبح والإجرام الذروة العليا حيث كان الدين فيه يتزايد حتى يصبح أضعافًا مضاعفة يضعف عن سداده كاهل المستدين الذي استدان لحاجة وضرورة وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة: حيث كان التحريم جزئيا لا كليا في أوقات الصلاة.
الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع الذي لا يفرق فيه القرآن الكريم بين قليل أو كثير والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد تم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا. فقد نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [1] . (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) [2] .
وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منها حيث حرمت الخمر تحريمًا قاطعًا جازمًا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [3] . وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق التدرج [4] .
ويمكن أن تخرج هذه الآية بتخريج آخر وهو كما يقول الشيخ محمود شلتوت في تفسير القرآن الكريم: بقي علينا أن ننبه في هذا الشأن لأمر خطير، هو أن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة، وتخريجها على أساس فقهي إسلامي، ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير، يحاولون أن يجددوا تخريجها للمعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف أو في صناديق التوفير أو السندات الحكومية أو نحوها، ويلتمسون السبيل إلى ذلك، فمنهم من يزعم أن القرآن الكريم إنما حرم الربا الفاحش بدليل قوله تعالى (أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) فهذا قيد في التحريم لا
(1) سورة البقرة الآية 278.
(2) سورة البقرة الآية 279.
(3) سورة المائدة الآية 90.
(4) محمد علي الصابوني، روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، ص390 - 391.