فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 36

بعد هذا العرض لأهم المزالق التي تزل فيها أقدام الذين يتصدون للفتوى في هذا العصر، الذي تكاثرت مشكلاته، واضطربت معاييره، حتى اختلط فيه الحابل بالنابل، يحسن بنا أن نعرض هنا لمنهج عملي معاصر، عله يكون مفتاح العمل وضياء النور في مسيرة المفتين:

أولًا: التحرر من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى لزيد أو عمرو من المتقدمين أو المتأخرين، فقد قيل: لا يقلد إلا عصبي أو غبي.

هذا هو التوقير الكامل لأئمتنا وفقهائنا، فعدم تقليدهم ليس حطًا من شأنهم، بل سيرًا على نهجهم، وتنفيذًا لوصاياهم بأن لا نقلدهم، ولا نقلد غيرهم، ونأخذ من حيث أخذوا، كما أن عدم تقليدهم لا يعني الإعراض عن فقههم وتراثهم، بل ينبغي الرجوع إليه والاستفادة منه بمختلف مدارسه، دون تحيز ولا تعصب.

وهذا الموقف لا يتطلب من العالم المسلم المستقل في فهمه أن يكون قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق كالأئمة الأولين، وإن كان هذا غير ممنوع شرعًا ولا قدرًا، ولكن حسب العالم المستقل في هذا الموقف أمور:

( أ ) ألا يلتزم رأيًا في قضية بدون دليل قوي، ولا يكون كبعض الناس الذين ينصرون رأيًا معينًا، لأنه قول فلان، أو مذهب فلان، دون نظر إلى دليل أو برهان، مع أن الله تعالى يقول: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 111، والنمل: 64] ، ولا يسمى العلم علمًا إذا كان ناشئًا من غير دليل.

( ب ) أن يكون قادرًا على الترجيح بين الأقوال المختلفة، والآراء المتعارضة بالموازنة بين أدلتها، والنظر في مستنداتها من النقل والعقل، ليختار منها ما كان الأصح بنصوص الشرع، والأقرب إلى مقاصده، والأولى بإقامة مصالح الخلق التي نزلت لتحقيقها شريعة الخالق.

وهذا أمر ليس بالعسير على من ملك وسائله من دراسة العربية وعلومها، وفهم المقاصد الكلية للشريعة، بجانب الاطلاع على كتب التفسير والحديث والمقارنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت