فهرس الكتاب
والأمر الثاني: طبيعة العصر الذي يعيشه المسلمون اليوم، حيث طغت فيه المادية على الروحية، والأنانية على الغيرية، والنفعية على الأخلاق، وكَثُرَت فيه المغويات بالشر، والعوائق عن الخير، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، حيث تواجهه التيارات الكافرة عن يمين وشمال، ومن بين يديه ومن خلفه، تريد أن تقتلعه من جذوره، وتأخذه إلى حيث لا يعود، وهي تيارات تحركها وتغذيها قوى ضخمة، تمدها بالتمويل والتخطيط والتوجيه، وتسهل لمن اتبعها طريق الشهوات، وربما طريق الوصول إلى المناصب والدرجات!.
والفرد المسلم في هذه المجتمعات يعيش في محنة قاسية، بل في معركة دائمة، فقلما يجد من يعينه، وإنما يجد من يعوقه.
ولهذا ينبغي لأهل الفتوى أن ييسروا عليه ما استطاعوا، وأن يعرضوا عليه جانب الرخصة أكثر من جانب العزيمة، ترغيبًا في الدين، وتثبيتًا لأقدامه على طريقه القويم، وقد نقل الإمام النووي (50) في مقدمات"المجموع"كلمة حكيمة للإمام الكبير - إمام الفقه والحديث والورع - سفيان الثوري (51) ، قال فيها:"إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد!".
وهكذا كان علماء السلف: إذا شددوا فعلى أنفسهم، أما على الناس فييسرون ويخففون.
ولقد وصفوا الإمام المزني (52) صاحب الإمام الشافعي (53) في معرض الثناء عليه، بأنه"كان أشد الناس تضييقًا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس" (54) .
إننا أحوج ما نكون إلى التوسعة على الناس، أن نيسر في الفروع، على حين نشدد في الأصول.
والتيسير الذي نعنيه، هو الذي لا يصادم نصًا ثابتًا محكمًا، ولا قاعدة شرعية قاطعة، بل يسير في ضوء النصوص والقواعد والروح العامة للإسلام.