إن من أسوأ الأشياء خطرًا على المفتي أن يعيش في الكتب، وينفصل عن الواقع، والمطلوب من المفتي أن يعرف الجد والهزل، والنفع والضر في أمور الحياة.
إن المفتي البصير يجب أن يكون واعيًا للواقع، غير غافل عنه، حتى يربط فتواه بحياة الناس، فهو لا يكتب نظريات، ولا يلقي فتواه في فراغ، ومراعاة الواقع تجعل المفتي يراعي أمورًا معينة، ويضع قيودًا خاصة، وينبه على اعتبارات مهمة.
وبدون معرفة الناس ومعايشتهم في واقع حياتهم ومشكلات عيشهم، يقع المفتي في متاهات، أو يتيه في خيالات، ويظل في واد والناس في واد، فهو لا يعرف إلا ما يجب أن يكون، دون ما هو كائن، مع أن الواجب شيء، والواقع شيء آخر.
*الجانب الأخلاقي في المفتي:
أعرض فيما يلي بعض الملاحظات التي ينبغي مراعاتها في المفتي:
1-إن العلم مع فرضيته والثقافة مع حتميتها للمفتي، ليسا كل شيء، فلا بد مع العلم من عمل، ولا بد مع العمل من خشية، والعلم الذي لا يثمر خشية الله وتقواه لا قيمة له في ميزان الحق. يقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [ فاطر: 28] ، وإن آفة الحياة ليست من فساد العقول، بقدر ما هي من فساد الضمائر، وإن أزمة الناس ليست أزمة معرفة بقدر ما هي أزمة أخلاق.
ولم تفسد الأديان السابقة على الإسلام بسبب الجاهلين بحقائقها، بقدر ما فسدت من علماء السوء، المتاجرين بها، المحرفين لها.
ولا عجب أن حمل القرآن بقوة على الذين يخونون علمهم، يشترون به متاعًا زائلًا، ويلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون.