وهؤلاء بمنزلة مَن يدل الركب للسفر، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع مَن لم يحسن التطبيب من مداواة المرضى فكيف بمَن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟.
وبالرغم من قول الإمام أبي حنيفة بعدم الحَجْر على السفيه احتراما لآدميته، يقول بوجوب الحجر على المفتي الجاهل والمتلاعب بأحكام الشرع، لما وراء تلاعبه من ضرر عام على الجماعة المسلمة، (يرى أبو حنيفة وجوب الحجر على ثلاثة: الطبيب الجاهل، والمفتي الماجن(المتلاعب) والمكاري (المقاول) المفلس دفعًا لضررهم عن الجماعة) (31) .
*ثقافة المفتي:
إن المفتي أو الفقيه الذي يقوم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بل يوقع عن الله جل شأنه، جدير بأن يكون على قدر كبير من العلم بالإسلام، والإحاطة بأدلة الأحكام، والدراية بعلوم العربية، مع البصيرة والمعرفة بالحياة وبالناس أيضًا بالإضافة إلى ملكة الفقه والاستنباط.
ولا يجوز أن يفتي الناس مَن لم يتمرس بأقوال الفقهاء، ليعرف منها مدارك الأحكام، وطرائق الاستنباط، ويعرف منها كذلك مواضع الإجماع ومواقع الخلاف.
ولا يجوز أن يفتي الناس مَن لم يتمرس بعلم أحوال الفقه، ومعرفة القياس والعلة، ومتى يستعمل القياس، ومتى لا يجوز، كما لا يجوز أن يفتي مَن لم يعايش الفقهاء في كتبهم وأقوالهم، ويطلع على اختلافهم، وتعدد مداركهم، وتنوع مشاربهم، ولهذا قالوا: من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه!!! (32) .
ولا يجوز أن يفتي الناس من يعيش في صومعة (برج عاجي) حسية أو معنوية، لا يعي واقع الناس، ولا يحس بمشكلاتهم.
ولا بد للمفتي من ثقافة عامة، تصله بالحياة والكون، وتُطْلِعُه على سير التاريخ، وسنن الله في الاجتماع الإنساني، حتى لا يعيش في الحياة وهو بعيد عنها، جاهل بأوضاعها.