فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 36

وكان أشدهم في ذلك الإمام مالك (24) ، فكان يقول: مَن سُئِل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها، وقال ابن أبي حسان: سئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة، فما أجاب إلا في اثنتين بعد أن أكثر من"لا حول ولا قوة إلا بالله"، وقال مصعب (25) : سئل مالك عن مسألة، فقال لا أدري، فقال له السائل: إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أعلم بها الأمير، وكان السائل ذا قدر، فغضب مالك وقال: مسألة خفيفة سهلة!!! ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ، [المزمل: 5] ، فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل (26) .

فالذي ينبغي للعالم أن يكون متهيبًا للإفتاء؛ لا يتجرأ عليه إلا حيث يكون الحكم جليًا في الكتاب أو السنة، أو يكون مجمَعًا عليه، أما عدا ذلك ـ مما تعارضت فيه الأقوال والوجوه وخفي حكمه ـ فعليه أن يتثبت ويتريث حتى يتضح له وجه الجواب، فإن لم يتضح له توقَّف.

إنكارهم على من أفتى بغير علم

كان السلف ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها، ويعتبرون ذلك ثلمة في الإسلام، ومنكرًا عظيمًا يجب أن يمنع.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (27) - رضي الله عنهما - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (28) .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (29) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" (30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت